وصفة كيري

تسعى واشنطن وتل أبيب لاجهاض الهبة الشعبية، ودفع السلطة الفلسطينية كي تدخل على هذا الخط مع تصاعد الهبة الفلسطينية واتساعها، تحرك الاهتمام الأميركي بالأوضاع في الأراضي المحتلة من زاوية احتواء الهبة وكبح تطورها باتجاه انتفاضة شاملة.

وحاول وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، تثبيت دوافع الهبة ومآلاتها عند حدود ردات الفعل الفلسطينية الغاضبة على استفزازات إسرائيل ومخططاتها تجاه الأقصى، وبالتالي الدخول على خط تهدئة الأوضاع عبر رزمة من الاقتراحات تقفز عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اندلاع هذه الهبة.

ومع ذلك، لم تخرج هذه الاقتراحات عن جوهر الرؤية الإسرائيلية لمستقبل مدينة القدس ومكانة الأقصى وإبقائه تحت خطر التقسيم الزماني والجغرافي.

ومع تحرك المناورات الالتفافية، تقف الهبة أمام تحديات مفصلية تضع الحالة الفلسطينية أما مسؤوليات ومهام لا تحتمل التأجيل.

التعامل الأميركي مع الاستفزازات الإسرائيلية في القدس وما جرى في الأقصى ينطلق من الرؤية الاميركية بأن الأراضي الفلسطينية التي احتلت بعدوان العام 1967، أراض متنازع عليها. لذلك كانت أسس اتفاق أوسلو وآليات تطبيقه تنطلق من ضرورة التوصل إلى حل متفق عليه بين المتفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين. على الرغم من أن واشنطن تعرف أن عشرات القرارات قد صدرت من الأمم المتحدة أكدت الحقوق الفلسطينية في قيام الدولة المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967، بعاصمتها القدس وأكدت حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها في العام 1948. وبالتالي فإن تسوية الصراع حتى تكون متوازنة وشاملة ينبغي أن تبحث في آليات تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة وليس القفز عنها.

من هذه الزاوية، انطلق التحرك الأميركي تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتعتبر أن مسألة الأقصى تعكس نزاعا مستجدا بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وبالتالي يمكن التدخل للبحث في حل متفق عليه بين الأطراف المعنية.

ولهذا السبب جاءت وصفة كيري لتسوية موضوعة القدس لتقفز عن حقيقة واقع الاحتلال الذي ولد استمراره هذه الهبة الشعبية كما غيرها من الهبات والانتفاضات التي سبقتها.

وعلى الرغم من أن المخططات الإسرائيلية تجاه القدس والأقصى على وجه الخصوص قد خرجت إلى العلن منذ وقت غير قصير، إلا أن واشنطن لم تبد اهتماما بالأمر، واستمرت في متابعة اهتماماتها الدولية والإقليمية دون أن تضم الموضوع الفلسطيني.

ما جعل الاهتمام الأميركي يتحرك، هو الهبة الشعبية الفلسطينية، والتي تصاعدت واتسعت وتعززت المؤشرات بتحولها إلى انتفاضة شاملة.

عند هذه النقطة، تتحد الجهود الأميركية والإسرائيلية في مساعي إجهاض الهبة الشعبية الفلسطينية واحتوائها، ودفع السلطة الفلسطينية كي تدخل على هذا الخط من خلال الإيحاء بأن التدخل الأميركي والدولي قد وضع حدا للمخططات الإسرائيلية تجاه الأقصى؛ وأن الأمور ستعود إلى سابق عهدها. ولكن هذا يتطلب جهدا من القيادة الفلسطينية.

وعند كل حدث مفصلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يتعلق بالحراك الشعبي ضد الاحتلال، يتم التدخل الأميركي من زاوية الدعوات المتكررة لعودة المفاوضات. وفي كل مرة، يتم فبركة «حوافز» جديدة مشتقة من التطورات المستجدة على الأرض.

وفي هذه المرة يتم استغلال ما وقع في القدس والأقصى كي تعيد واشنطن الحديث بأن المفاوضات هي الأسلوب الوحيد المناسب للتوصل إلى تسوية، دون أن تعترف الادارة الأميركية وغيرها بأن أية تسوية وفق الشروط السابقة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان الفلسطيني الذي يوًلد انفجارات نشهد تعبيراتها هذه الأيام في مناطق الضفة الفلسطينية كافة وتداعياتها في قطاع غزة وأراضي الـ48 ونتابع أصداءها في مواقع اللجوء والشتات.

من البديهي أن الهبة الشعبية تلقي على عاتق مكونات الحالة الفلسطينية مهمات كبرى، في مقدمها استعادة الوحدة الداخلية، كشرط لازم لدعم الهبة الشعبية وشق مسارها الوطني بما يسهم في حمايتها وصيانة منجزاتها من خلال قيادة ميدانية موحدة تدير التحركات الجماهيرية وتوجهها بما يعزز المشاركة فيها ويوسعها، مع ملاحظة دخول فئات عمرية متعددة في ميدان المواجهة اليومية.

ومن المؤكد أن أي فعل وطني مساند للهبة لايمكن أن يحصد نتائج مؤثرة دون أن يأتي هذا الفعل في إطار استراتيجية وطنية فلسطينية تطوي صفحة المفاوضات العبثية وعدم الرهان على الوساطة الأميركية المنفردة، بل العمل على تطبيق قرارات المجلس المركزي خاصة وقف التنسيق الامني وإلغاء اتفاقية باريس الاقتصادية والتعاطي بشكل جدي مع المطالب الشعبية والسياسية بتقديم جرائم اسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية.

ومن المؤكد أيضا أن هذا الفعل سيقف أمام طريق مسدود في حال استجاب المفاوض الفلسطيني لوصفات التهدئة التي يقدمها كيري من أجل إعادة عجلة الوقت إلى الوراء. وتكمن خطورة هذا الأمر بالدرجة الأولى في خلق حالة من البلبلة في الوضع الفلسطيني يخشى من انسحاب تأثيرها على ميادين المواجهة.

ما يجري من استفحال العدوان الاسرائيلي يتطلب تدخلا دوليا لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يضع سقفا زمنيا لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي وحل كافة القضايا بما فيها ضمان حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم الذي يكفله القرار الدولي 194، والإفراج عن كافة الاسرى من سجون الاحتلال الاسرائيلي، وفتح الطريق أمام ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.