"وطن بطعم البرتقال" .. رواية تستبطن فلسفة باشلارية

الكاتبة التونسية نجاة دهان تعكس الحلم في روايتها بقولها "للعب مذاق خاص، شيء ما يشبه اكتشاف طعم التراب الندي للمرة الأولى".


ما الشعر غير نبش الذاكرة والبحث عن مذاق تجربة طفولية أحببناها بشغف


ما أيسر الشعر وما أكبر حظ الشعراء

بقلم: هيام الفرشيشي

يرى فرويد الكتابة الإبداعية بمثابة حلم اليقظة، وهي بديل واستمرار للعب طفولي. ومما لا جدال فيه فالخيال الخصب يخلق عوالم سرد الحكايات ويقوم بتحويل الواقع الموجود إلى واقع حلمي لعبي يكشف عن خبرات حسية. 
والمبدعة نجاة دهان تعكس هذا الحلم في روايتها "وطن بطعم البرتقال". بقولها "للعب مذاق خاص، شيء ما يشبه اكتشاف طعم التراب الندي للمرة الأولى"، وتسترجع الخبرات الطفولية بدءا بالإيقاظ الحسي لطعم طفولي خاص تدمنه الفتاة، وهو الشكولاطة "انها الشكولا سيدة المذاقات، طعم الحنين فينا منا الينا".
إنه تذوق طفولي باعث  لكتابة الشعر "هل تراني أصبح شاعرا مثلك بعد هذه القطعة؟ ما ايسر الشعر وما أكبر حظ الشعراء".
 إن الخبرات الحسية الطفولية المبهجة والتي تخلق سعادة هي لحظات تدمنها الروح في لحظات الانعتاق من الواقع. إنها بكل بساطة تشبه الذات ولا تشبه مذاقات الذوات الأخرى. فهي تبحث عن الشغف بشيء طفولي جميل في الأركان المهملة، في ادراج الذاكرة التي غطاها السخام "مع هذا يخيل إلي أن في ما يشبه هؤلاء الأطفال، كلنا أحببنا شيئا ما بشغف مجنون.. سيستيقظ فيك ذات يوم هذا الجنون.. كن على ثقة وانتظر".
 ما الشعر غير نبش الذاكرة والبحث عن مذاق تجربة طفولية أحببناها بشغف.
" ألم أقل إنك شاعرة، انك تدفعينني الى نبش ذاكرتي لأظفر بهذا الذي كنت به شغوفا، سأخبرك لاحقا بما اكتشفت .. كوني على ثقة وانتظري".
فالخبرات الطفولية تستعيد الدهشة الأولى، المذاق الأشهى، السعادة التي تبهج الحواس.

بائع الكتب رغم توجسه من الأسرار المجهولة الغامضة في صندوق الكتب فقد أحيت فيه رائحة الورق غواية الخيال والتجلي في مرآة أنثى.

والشغف الطفولي لا يرتكن إلى الخبرات الحسية السعيدة فحسب بعيدا عن قيود العقل بل هو بحث عن منافذ الخيال وطاقاته "الإنتاجية الطفولية للمخيلة"، إلى كل التخيلات الطفولية التي جعلته يخلق العوالم المدهشة وفتحت أكوانا جديدة للأحداث والصور.
" نامي لينام القمر" .. كان عليها أن تنام لتبدأ رحلته معها إلى هناك حيث الطريق الى الحلم.
"أتعلم؟ لقد جربت أن أنام فينام القمر، حين ينام القمر وتفتح للحلم بابا يضحى كل شيء غائما لا شيء يذكر بالملائكة ولا شيء يتلبس وجه الشيطان أيضا، عقارب ساعة من زمن لا أعرفه، تمضي متسارعة فتقض مضجعي، يؤلمني أن يقتفي الزمن أثري في الظلام، فلا أسرق المنى، من عيني الليلة. سألتني مرارا لمَ أنام اذا لم أكن قادرة على كسر عقارب الساعة؟ ثم لم لا أشرب الكثير من الماء لأتبول خيالاتي قبل النوم ويكون الخلاص؟
إن الفتاة تعيش مع حلم اليقظة، مع تداعيات العقل وتفكيره وأسئلته وتمثلاته للكائنات الميتافزيقية التي لا تكشفها أحلام الليل، بل ترشح بصور النهار وتعيد تركيبها عبر الإزاحة والرمز وعبر السرد المتقطع الذي لا تربطه وحدة عضوية في الغالب، إنها تبحث عن لغة أكثر خبرة بخفايا الأسئلة الوجودية تطلق طاقات الروح ولا تجعلها في حالة استرخاء. لأنها شاعرة تبحث عن صور تعبر الى الروح والوعي، ولا تطمس ما تيقظ من إحساسها وحواسها. وهي تنتقل من حالة الحلم الشعري الى حالة سرد الحلم، فحلم اليقظة كما بين باشلار لا يروى بل يكتب ومن ثمة ركنت حكايتها في صندوق والقت به في مكتبة علّه يصل الى القراء، فكان صاحب المكتبة أول من تتبع أسرار القصة التي كتبتها أحلام اليقظة.
" لملمت كل ذكراه فيها، لم تشأ أن تترك لنفسها شيئا منه، ابتسامته، حكاياه، لحظات غضبه، دفء قلبه، صوته وهو يناديها.. تراكمت الأوراق وهي تكتب كل ما كان معه دون أن تنتبه الى أنها صارت خاوية وان حروفها رحلت بروحها..".
ترحل الروح وتبقى الرائحة تعبق حياة وحبرا، رائحة البشر روح تتعتق، لا تغادر المكان، لا تغادر الألبسة، لا تغادر الأنفاس، تحيي الذاكرة، تسترجع صدى الذاكرة، تفتح الشهية على الشغف، تتردد كصدى الصوت، تصنع منه القصص والحكايات، من قال إن الرائحة لا تلامس شعرية اللغة، قد توقظ فينا رائحة مثلت مصدر سعادة ومتعة. "لقد بقيت الرائحة بين ثنايا الكلمة".
كتب باشلار"تلتهم العالم حين تكون سعيدا، وعندما تستعيد ذاكرتك الروائح الكبيرة، التي تهيئ الولائم، أتصور وقد أضحيت بودليريا، بأنني التهم الذكريات"..
في أعماق كل نفس متشبثة بعبق الذكريات وإيقاظ الخبرات الحسية شعر بودليري خالصا  يخلصه من شر الواقع ومن مشاعر القلق والضجر والانقباض.
" فاتنة هذه الرائحة التي يرسلها الليل، انها كرائحة بخور الجدات، كعطور عرائس اول العمر، تخفي سرا وتنبئ بنشوة بكر".
" لم يحتج الى كثير عناء ليدرك أن الرائحة تسكن الورق".
رائحة المدينة العتيقة تستعيد عبره الزمن القديم، رائحة البخور وطعم الحلوى وألوان دمى الصوف.
  نجدها تبلور الحلم في الرواية على الطريقة الباشلارية فهو ملتصق بفضاءات تعشقها الذات متصلة بالذاكرة، فضاءات استرخاء الروح والتحرر من أعباء الواقع والزمن. الملاذ الحميمي للذات. وهي مرتبطة بخبرات حسية سعيدة لا بد من استعادتها من الزوايا القصية المهملة. في زاوية قصية في مقهى أو في منعطف الطريق أو في ثنايا الأزقة العتيقة. 

الخيال الخصب يخلق عوالم سرد الحكايات
طعم الحنين فينا منا الينا

هو البيت القديم الذي تحدث عنه باشلار ليس بتصميمه الهندسي بل بما يمنحه من حميمية وأمن تجاه واقع خارجي صاخب مؤذ عدواني، ولكن الفتاة هنا فقدت أمن المكان، أمن البيت برحيل الأب وأتعبها الواقع الذي يشيء الذات ويجعلها نسخة مكررة من الآخرين، لتختزل البيت في حكاية في صندوق، أو في ركن في مقهى هو شذى الطفولة.
" تسير في شوارع المدينة المكتظة بالتعب، صور السياسيين وشعاراتهم حلت محل اللافتات الاشهارية، لم تحتج الى التوقف لتدرك أن الكل متشابه، حتى الالوان هي ذاتها تقريبا. والشوارع كالأزقة قد بنيت بحجارة السجون، تقيد الحركة وتضيق الروح.
تبدو بطلة الرواية في حالة تدفق عاطفي إيجابي يحقق التجاوب العاطفي مع الآخرين، رئيسها في العمل، الصديق، بائع الكتب، رغم أنها فقدت سقف الماضي / الأب. فتبدو الشخصيات في طور الاندماج العاطفي معها، تحرر من خلالها ذواتها المغلفة بأسوار العادة والتكرار والقيود. فهي ترفع الأثقال عن لغة متكلسة وتعيد تسمية الأشياء والكائنات. بل ترسم مسحة شاعرية تعيد للغة كينونتها. إنها تحملهم الى عوالم اللاضجر تنعتق فيه الروح وتتجلى اللغة. بل تحمل بخفة القدرة على بعث الدهشة وعلى استرجاع التجارب الطفولية القديمة الحية وتشكل مصدر شغف وانتشاء وسعادة. لتحرر الخيال الفني من سطوة الواقع، انها تشير الى شخصياتها الى مكان عواطفها وأحاسيسها والى تجارب حسية تبدو غامضة ولكنها تعيش بين طياتها في الأركان المهملة، لأنها أصلية بل هي جذور تسندها كأعمدة صلبة. يكفي انها تبعث على التأمل وعلى رسم صور شاعرية.
فقد حصلت على الموافقة على العمل حين تحدثت بلغة الروح الباحثة عن حياة تجنبها عناء الأرصفة وتسمي الأشياء تسمية شعرية "ارايت؟ كم زمني مزدحم؟ ربما علينا قريبا أن نستعير أسماء من خارج لغتنا، علنا نستعيد بعض الفراغ ونتنفس ملئ الرصيف واكثر".
كان الجواب غير عادي "كان عليك ان تطرقي هذا الباب منذ ولدت، هنا لا أسماء تزدحم".
بائع الكتب رغم توجسه من الأسرار المجهولة الغامضة في صندوق الكتب فقد أحيت فيه رائحة الورق غواية الخيال والتجلي في مرآة أنثى "اغمض عينيه، مد يده فتتجلى له سيدة الحسان، ازدادت الرائحة انتشارا في المكان فعلا مد الغواية حتى خيل اليه انها هنا، مجنون هذا الهاجس، لا طاقة له على تحمله".
في حين أن صديقها "لم تستطع خلاصا من صورة هذا القادم المنتصر لهم ولها ولكل الفقراء والحالمين في هدوء الملائكة وان بدا لها اليوم غبيا مليئا بالخيبة حد التخمة، داخلها إيمان واثق بأنها تحب صدقا كل هؤلاء الذين ولدوا ليعيشوا بسلام وبأنهم يحبونها فيشاركونها تحية كل بداية يوم جديد.