وعود روبيو للخليج: هل تكفي لإصلاح ما أفسده ترامب؟

جولة روبيو بدت أقرب إلى محاولة دبلوماسية لاحتواء مخاوف الحلفاء، لكنها لم تقدم ضمانات أمنية هيكلية كفيلة بتغيير حقيقة خروج طهران من الحرب بمكاسب استراتيجية.

أنهى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جولته الخليجية، الهادفة إلى تهدئة مخاوفهم من تداعيات الاتفاق مع إيران. ورغم أن دول الخليج رحبت بانتهاء الحرب، فإنه من الصعب إقناع قادتها بمزايا "مذكرة التفاهم"

إلا أن مخاوفهم لا تنطلق من فراغ، بل تستند إلى حقائق واضحة على الأرض تعززت بعد توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بين إدارة ترامب وإيران لإنهاء الحرب، فالاتفاق الأخير لم يتضمن أي بنود واضحة تحد من برنامج إيران للصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة، وهي ذات الأدوات التي استُخدمت في شن ضربات سابقة هددت أمن المنشآت الحيوية في الخليج. هذا الإغفال يعني بقاء التهديد العسكري المباشر قائماً دون غطاء رادع.

كما أن التفاهمات ركزت على إنهاء المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، لكنها تركت ملف أذرع إيران وعملائها في المنطقة معلقاً دون معالجة حقيقية. وبقاء هذه الشبكات نشطة يمنح طهران أوراق ضغط مستمرة لزعزعة استقرار محيطها الإقليمي وقتما تشاء.

مضافاً إلى ما سبق، فإن مذكرة التفاهم منحت طهران جائزة يدفعها المتضرر (دول الخليج) للمعتدي، وهي معضلة الصندوق المالي والتعويضات، فالمقترح الخاص بإنشاء صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار وإلغاء بعض العقوبات يثير رعباً حقيقياً لدى العواصم الخليجية، حيث يُخشى أن تُستغل هذه السيولة الضخمة في إعادة تغذية الآلة العسكرية الإيرانية ودعم الوكلاء بدلاً من التنمية.

ليس هذا فحسب، بل إن مذكرة التفاهم منحت طهران دوراً في إدارة مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز إلى العالم. ورغم تصريحات روبيو الأخيرة الصارمة في المنامة برفض واشنطن القاطع لأي محاولات إيرانية لفرض رسوم أو جبايات على السفن المارة باعتباره ممراً دولياً، إلا أن القدرة الفعلية لإيران على تعطيل الملاحة أو فرض واقع جديد هناك تظل مصدر قلق دائم لا يمكن للتصريحات الدبلوماسية وحدها تبديده.

اللا استراتيجية التي اتبعتها إدارة ترامب الثانية في حرب الـ100 يوم الأخيرة التي بدأت في فبراير/شباط الماضي، لم تؤدِ فقط إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، بل أحدثت صدمة حقيقية في مفهوم الحماية التقليدي.

فالعواصم الخليجية وجدت نفسها فجأة في مرمى النيران المباشرة نتيجة تصعيد عسكري لم يكن منسقاً معها، حتى المنظومات الدفاعية الأميركية التي كلفتها مليارات الدولارات لم تمنع الهجمات الصاروخية والمسيرات الإيرانية من إحداث خروقات ملموسة داخل دول المجلس خلال الحرب. هذا الأمر أسقط السردية القديمة حول التفوق المطلق للمظلة الأمنية الأميركية، وأثبت أن التكنولوجيا الغربية المكلفة لها حدود أمام استراتيجيات الإغراق الصاروخي وحرب المسيرات.

أما التحول الأخطر في هذه التجربة هو إدراك عواصم المنطقة أن الوجود العسكري الأميركي الكثيف على أراضيها استُخدم من قِبل طهران كذريعة وشرعية لتوجيه تلك الضربات، مما جعل هذه القواعد مصدراً لاستدراج الخطر واستهداف الدول المضيفة، بدلاً من أن تكون أداة ردع وحماية.

خروج إيران من هذه الحرب مع بقاء نظامها، واحتفاظها بهيكل قدراتها العسكرية، وفرضها لواقع جديد في مضيق هرمز، جعلها تبدو في موقف من أعاد صياغة موازين القوى لصالحها، خاصة بعد توقيع تفاهمات باريس أو واشنطن الأخيرة مع ترامب التي ركزت على المصالح المتبادلة بين الطرفين وأغفلت أمن الجيران.

هذا الفشل الهيكلي للمظلة الأميركية بالإضافة إلى أسباب أخرى دفع دول الخليج بالفعل نحو التفكير الجدي في صياغة بدائل أمنية وسياسية مختلفة، والاتجاه نحو عقد "اتفاقيات دفاع مشترك ثنائية" يمثل ذروة الواقعية السياسية الجديدة، فدول المنطقة لم تعد ترى في التحالفات الجماعية الفضفاضة أو الوعود الأميركية الشاملة ضمانة حقيقية.

المرحلة المقبلة ستشهد بلا شك سباقاً محموماً؛ ليس فقط لبناء تحالفات ثنائية أقل كلفة سياسية مع قوى دولية صاعدة كالصين أو روسيا لتنويع أوراق اللعب، بل أيضاً في محاولة صياغة معادلات أمنية مباشرة مع طهران تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، بعد أن ثبت للمنطقة أن الاعتماد الحصري على واشنطن قد يعني الانجرار إلى حروب غير محسوبة تدفع شعوب المنطقة ودولها ضريبتها الأكبر.

بعض العواصم الخليجية تعتبر أن إدخال بند "عدم الاعتداء" في أي اتفاق نهائي هو أقل ما يمكن أن يُقدم لها لتأمين مخاوفها من نظام استهدفها طوال فترة الحرب بصواريخ ومسيرات أكثر مما تعرضت له إسرائيل، لكن في حقيقة الأمر، فإنه تاريخ نظام طهران الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط، لا يمكن أن يصبح محل ثقة بين ليلة وضحاها خاصة وأنه يعتبر نفسه خرج منتصراً من حرب خاضها مع دولتين نوويتين.. وهو الآن يتصرف بحكم المنتصر الذي يفرض شروطه.

جولة روبيو بدت أقرب إلى محاولة دبلوماسية لاحتواء مخاوف الحلفاء، لكنها لم تقدم ضمانات أمنية هيكلية كفيلة بتغيير حقيقة أن طهران خرجت من الحرب بمكاسب استراتيجية عززت تموضعها.

كالعادة، دول الخليج هي في النهاية من يدفع ثمن أي مواجهة تحدث في تلك المنطقة سواء كانت عربية عربية، أو عربية إيرانية، أو إيرانية إسرائيلية، بعضها نتيجة سوء تقدير، وبعضها الآخر بسبب حسابات خاطئة لقوى أخرى. الآن، وتحت ضغط الوقت، قد تتوجه إلى رهانات بعيدة عن العمق العربي لإيجاد توازن قوة رادعة للنظام الإيراني على الأقل في فترة اختبار على أمل تحسين سلوكها.

 لكن المؤكد أن الهجمات الإيرانية لم تكشف ثغرات في منظومة الدفاع والأمن الأميركية فقط لكن أيضاً فضحت الثقوب في الثقة مع الولايات المتحدة ولا أظن وليس كل الظن إثم إنما بعضه فقط أن تكون وعود روبيو التي حملها معه قد نجحت في إصلاح تلك الثقوب.