ياسر ثابت يعيد اكتشاف الوجوه المنسيّة

يقرأ أعمالا إبداعية عابرة للأجيال

الكتابة وعي ورصد الرصانة الثقافية ونقد التهافت والتسطيح في الفكر، هما وجهان لعملة واحدة، عنوانها الأبرز إدراك مدى أهمية الفكر والإبداع في تقدم المجتمع وتحديثه، والتعبير عن تنوعه وثرائه.

انطلاقـًا من هذه الرؤية، يأتي كتاب "خنجر في المرآة: نصوص ووجوه منسيّة" الصادر عن دار اكتب بالقاهرة للباحث د. ياسر ثابت، ليقدم شهادة نقدية ورؤية ناقدة لتجارب إبداعية مختلفة وقضايا مُلّحة تتصل بالمناخ الثقافي، والتحديات التي تواجهنا، في الطريق إلى تحرير العقل وإثراء الفكر وإطلاق سراح الإبداع الذي يرسف في القيود والأغلال.

وإذا كانت المجتمعات لا تستطيع أن تستمر بدون تلك اللُحمة من القيم التي تجعل أفراد المجتمع يثقون في بعضهم البعض، فإن تلك المجتمعات ليس بوسعها أن تتقدم بدون تطوير إنتاجها الثقافي، والإقبال عليه في آنٍ معـًا. يلعب النقد هنا دور المشعل الذي يضيء لنا طريق الوعي والمعرفة، رغم أن قطاعات من المجتمع بينها وبين الوعي طلاقٌ قديم؛ حيث ترفض كل ما يعكر رغدها، ويُعرِّض عينيها لأشعة الضوء.

في هذا الكتاب، تمتد أمام القارئ مائدة تضم قراءات نقدية لأعمال روائيين مثل وحيد الطويلة وأشرف الصباغ وأحمد والي ومحمد علاء الدين، ورثاء من القلب للشاعر االفلسطيني محمود درويش. ويجوب د. ثابت أيضـًا في عوالم باحثين وروائيين تركوا أثرًا مهمـًا في حياتنا الثقافية والإبداعية، مثل رضوى عاشور وجمال الغيطاني.

تلك القراءات النقدية لأعمالٍ تسيل منها مياه الملامح وتذوب عليها أعمدة التيه، وضعت نصب عينيها معايير الأدب والإبداع، فلم تمارس المجاملة ولا وقعت في شبهة التحيز،

في خطٍ مواز، يتذكر المؤلف إبداعات الفنان الشامل صلاح جاهين، صانع البهجة الذي مات مكتئبـًا. مبدعٌ فذ احتفظ بقدرته على إدهاشنا في مختلف المجالات التي تألق فيها كاتبـًا وشاعرًا ورسامـًا.. وممثلًا.

ولأن جذورنا هي أساس شجرة الثقافة التي تظللنا في هذه اللحظة، فإن الكتاب يضم زيارة جديدة إلى إبداعات نجيب محفوظ وأفكار طه حسين المتجددة، وحديثـًا مستفيضـًا عن قدرة عالمٍ فذ مثل جمال حمدان على استقراء الحاضر واستشراف المستقبل.

ينتظم هؤلاء المبدعون والمفكرون في عقدٍ فريد، عنوانه الأبرز: مصر المستنيرة. تلك الاستنارة التي نفتقدها ونفتقر إليها الآن، حيث يطوف المؤلف في سطور هذا الكتاب في دنيا المعرفة والإبداع عربيـًا وعالميـًا، ويستذكر أشهر روائيي القرن العشرين، الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، أستاذ الواقعية السحرية، الذي أهدانا الدهشة في عالم يتسم بالغرائبية، ونجح في أن يصبح صوت أميركا اللاتينية، وربما الإنسانية، عبر أعماله الفذة.

ينطلق ياسر ثابت في هذا الاهتمام من حقيقة مفادها أن المبدعين يؤطرون التوحش ويحجمون جشع الهيمنة، ويرسمون صورة كاريكاتيرية للطغيان، وقد يحذرون برؤيتهم النبوئية مما هو آت.

هكذا جاء فاتسلاف هافيل من المسرح والسجن ليعيد تشكيل أوروبا المتصالحة المتسامحة، ويفكك الستار الحديدي الأحمر، ومن ثم بلده تشيكوسلوفاكيا. أوروبا التي ساد مزاجها الروائي الكئيب العالم، "كافكا السوداوي، كامو العدمي، كولن ويلسون الساخط"؛ حتى جاءت الواقعية اللاتينية السحرية متسلسلة من بورخيس وجورجي أمادو، متألقة مع ماركيز ليقطف ثمارها باولو كويللو، وماريو فارغاس يوسا، وإيزابيل الليندي.

كما تناول الباحث بشكل مفصل تلك العلاقة الغريبة بين الإبداع والاضطراب، مع سرد نماذج مختلفة لمبدعين عاشوا كأن الجمر تحتهم. وإذا كان المبدع ملاحـًا يرود البحار منفردًا، فإن سلطان الاختلاف قد يستحوذ عليه، وسطوة التجريب قد تدفعه باتجاه تخوم جديدة.

• نجيب محفوظ: نيل البساطة

في الفصل الخاص بنجيب محفوظ، الذي يصفه المؤلف بأنه "نيلٌ من الحبر والبساطة"، نجد د. ثابت يقول عنه: كان محفوظ مجربـًا عظيمـًا، لم يترك بابـًا لم يطرقه ليدفع قدرته على التعامل معه إلى أقصاها. وفي تقديري أنه لم تمر تفصيلة عبثـًا في ذهن الرجل؛ إذ مر بكل ما مر به في حياته ليختزن ما يصنع به فنـًا عظيمـًا.

مع محفوظ يمكن أن تدرك كيف تكون الرواية قادرة على إعطاء التفسير للخالد والعابر في الحياة وبطرق مؤثرة وخصبة، وذات أثر فردي وجماعي شامل. إن رواياته تقدم ذلك كله في نسيج واحد، للواقعي والمتخيل، الأسطوري والحقيقي، الملموس والمجرد، الجامد والحي المتدفق، المشخص والمرموز إليه، العارض والأبدي، الأخلاقي ونقيضه، الدرامي والمأساوي، الحزين والساخر، وتكشف عن التعارضات الكبرى في قلب الواقع الاجتماعي والعصر، وعمليات الصدام في قلب الإنسان وفكره وهو يكابد العالم وذاته.

إنه تجسيدٌ حي لكيفية تحرك الرواية على مستويين: مستوى الواقع ومستوى الأسطورة والحلم، أي التطلع إلى الماضي في حركته نحو المستقبل، للكشف عن الأهداف العامة للشخصيات.

بل إن هناك من يرى أنه مؤسسٌ بارز من مؤسسي قصيدة النثر العربية المعاصرة، ويستدلون على ذلك بتلك القطع والمقطوعات المكثفة المرهفة الحارة في أعمالٍ مثل "اللص والكلاب" وفي "أصداء السيرة الذاتية".

كان نجيب محفوظ من هذا الحشد الذي لا يعرف بعضه بعضـًا في شوارع القاهرة، لكنه نقل روح المكان والبشر بكلماتٍ شديدة الصدق والتفرد، وابتكر مرايا إبداعية تعكس أحوال الروح الإنسانية المحتشدة بالأمل والمسَّرة والقلق والضياع والاغتراب والعجز وانتظار الموت.

ولعل أبرز سمات "الوعي المديني" الذي تجسد بعمق في روايات محفوظ هو تمثل كاتبها لقيمها التي تتصف بالتنوع والتعدد، وهو ما نراه متجليـًا مثلًا في نزوع رواياته إلى "تعدد الأصوات"، وانشغالها بتصوير عالم المدينة، وتحديدًا القاهرة، وعلى الوجه الخصوص "الأحياء الشعبية" التي تطرح بقوة عالم المهمشين والفقراء، من صاحب المقهى إلى صبي المعلم، ومن بائع البسبوسة إلى صانع العاهات.

ببساطة، لا يمكن أن نفهم مصر من دون محفوظ، ومن دون أبطاله الذين يتماهى معهم القارئ.

ينتمي هؤلاء الأبطال عادةً إلى عالم المدينة (القاهرة)، معشوقة محفوظ الأولى، التي لم يكن يفارقها إلا نادرًا، وقد نسج فيها أسطورته الخاصة عبر مشروعه الروائي الممتد؛ لذا يقول عنها: "حبي وارتباطي بالقاهرة القديمة لا مثيل لهما، أحيانـًا يشكو الإنسان بعض جفاف في النفس، تعرف هذه اللحظات التي تمر بالمؤلفين، عندما أمر في المنطقة تنسال عليَّ الخيالات، وأغلب رواياتي كانت تدور في عقلي كخواطر حية أثناء جلوسي في هذه المنطقة، يخيل لي أنه لا بدَّ من الارتباط بمكان معين، أو شيء معين يكون نقطة انطلاق للمشاعر والأحاسيس.. والجمالية بالنسبة لي هي تلك المنطقة".

• مركزية القاهرة القديمة في روايات محفوظ

وُلِدَ نجيب محفوظ في حارة درب قرمز الواقعة في ميدان بيت القاضي بحي الجمالية في الحادي عشر من ديسمبر عام 1911. في هذا الحيّ القديم الأصيل النائم في أحضان القاهرة القديمة، عرفَ نجيب محفوظ الحياة الشعبية وعادات أهلها، حيث تركت أثرًا عظيمـًا في أدبه وفي معظم رواياته وقصصه التي لجأت في أحيان عدة إلى الرمزية للإفلات من قبضة الأيديولوجيات الثقافية والسياسية التي لاحقته طويلًا.

من أحياء القاهرة القديمة أخذ الكثير من أسماء أعماله التي تلقفتها السينما، مثل "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية". ومن هذه الأحياء أخذ نجيب محفوظ كلمة "الحارة" التي أصبحت فيما بعد رمزًا للمجتمع والعالم، أي رمزًا للحياة والبشر.

من عالم الحارة القاهرية شديد الخصوصية استقى نجيب محفوظ رؤاه الفلسفية للوجود الإنساني كله. فقد جمع التفاصيل الصغيرة بعين سخية، إنسانية وأحيانـًا ساخرة، وأصغى لدبيب الحياة فيها، ووعى انتقالها وتطورها، ومشى متأملًا، في فضاء الحارة والعوّامة والبنسيون، ثم جلس في مقهاه ليحكيها بأسلوب شديد البساطة بالغ الإيحاء.

ولكتابة محفوظ مذاقٌ سردي خاص، يتميز بالنضج والتوثب والحيوية، إلى جانب الجمال المعتق والوثبات التخييلية واللغة المكتنزة؛ إذ ينصت إلى إيقاع الحياة وألوانها كأحسن ما يكون. بهذه القدرة الفذة، ينجح محفوظ في أن يمثل مصر جماليـًا بأبلغ وأصدق أدوات القص من تكثيف وشعرية وإتقان فني.

• "أحمر خفيف".. الملائكة حين تتفرق

يقول ياسر ثابت في فصل آخر من كتابه: في روايته "أحمر خفيف" يقدم لنا الروائي وحيد الطويلة عملًا يجمع بين الواقعية بكل تفاصيلها الدقيقة، والأسطورة بكل غرائبيتها وملامحها التي تثير الدهشة.

وما بين الواقعية والأسطورة يُولَدُ عملٌ إبداعي مهم، يخطو خطوة جديدة فوق أرضٍ بِكر؛ إذ ينقلنا وحيد الطويلة نقلاتٍ متلاحقة ما بين عالم الريفِ والحضر، ويستدعي حكاياتٍ تتناقلها الأجيال ورموزًا لا تُنسى ويقدم لنا معاني أكثر عمقـًا لمفاهيم العائلة، الصراع، النفوذ، الغرام، والرغبة، وكرامة الإنسان.

وإذا كانت الأسطورة تنتمي إلى مستوى اللغة وتمثل جزءًا مندرجـًا فيها، كما يقول د. صلاح فضل، فإن وحيد الطويلة تمكن من توظيف اللغة في نسج طابع أسطوري لحكايته ومصائر أبطاله.

وعبر صفحات الرواية التي تبلغ 265 صفحة، ندرك أن اللغة مقصٌ وإبرة، تُفصِلُنا على مقاسها، وتمنحنا ثوبَ الرواية كي نغطي به أسرارنا وعوراتنا. اللغة، هذا المفتاح السريّ المشاع، المهمل والمهمّش، والمنسيّ في حياتنا، هي هنا أساس عمل روائي أخاذ.

وعبر بنية سردية مدهشة، يقدم وحيد الطويلة مجموعة من الصور اللافتة والنماذج البشرية المجسدة بعناية فائقة، معتمدًا على موهبة الحكي السريع التي يتقنها في أعماله الإبداعية.

تبدأ الرواية بمنتصف الحكاية أو قرب النهاية بقليل؛ إذ يرقد البطل "محروس" في المستشفى في حالة خطرة بعد تعرضه لإصابة تكاد تكون مميتة.

"النعشُ على باب المستشفى، والملائكةُ أيضًا، وإن تجولوا بسرعةٍ في ردهاتِها القذرة حين يشعرون بالملل، في انتظارِ ساعتِه، وإن بدَدوا سأمهم أحيانـًا بقبض روح أو اثنتين.

رآهم الفناجيلي ابن أخيه، العين في العين، وهم يبصّون من ثقوب الأبواب، وإن تخفَوا في ملابسَ بيضاء كالأطباء وأحيانـًا الممرضات. وهو كما هو، رابضٌ في نفس السرير، بين الحياة والموت، خيطٌ يشده وخيطٌ يرخيه، ممدد دون ضعف أو أنة، لا آهة ولا توجّع، وجهه محتفظٌ بآلام عراكه الأخير".

هكذا يضعنا صاحب الرواية منذ اللحظة الأولى وجهـًا لوجه أمام الموت. لكن للموتِ المراوغ تاريخـًا لا يُختصر وهوية لا تُمحى. والموتُ هنا يصارع أقوى الرجال: محروس. سيد القرية الذي واجه القاتل المأجور عبدالمقصود في معركةٍ شرسة، فقد فيها محروس ذراعه وكاد أن يفقد روحه، لكنه احتفظ بما هو أهم: كرامته. نحن أمام بطلٍ شعبي، حياته حربٌ لا سلام فيها، كأنه منذورٌ للحروب والكفاح، والجسد ليس سوى ساحة قصل.

وفي الرواية الصادرة عن "الدار للنشر والتوزيع" عام 2008، نستعيد ذاكرتنا عن ريفٍ غاب عن الروائيين منذ أن أحياه مصطفى نصر في "الهماميل"، وعبدالحكيم قاسم في "أيام الإنسان السبعة"، وخليل حسن خليل في "الوسية"، وقبلهم توفيق الحكيم في "يوميات نائب في الأرياف". ها هو وحيد الطويلة يتقدم بالرواية عن ريف مصر خطوة أخرى إلى الأمام.

• أحمد والي.. المتنصتون في الأدب

حول االمجموعة القصصية "المتنصتون" للأديب الطبيب أحمد والي، يقول ياسر ثابت: يمارس أحمد والي مهمة "الخوض عميقـًا في الواقع، اختراق قشرة سطحه الخادعة غالبـًا، للوصول إلى ما هو جوهري وأصيل فيه". ولأن "القصة القصيرة شغف، البداية الأفضل لرحلة الكتابة، نقطة ضوء كاشفة عن موهبةٍ كامنة، لا تعرف طريق التعبير عن نفسها، رغم أنها شكلٌ فني مراوغ، لا يتطلب جهدًا بقدر ما يتطلب ذكاءً ودقة ملاحظة"، فإن والي يبدو هنا مثل قصاص الأثر، الذي يتبع حروفـًا في الرمال لا يراه غيره، ويرى الظلال بعد أن رحلت عن موضعها.

يتميز أحمد والي بقدرته على التلاعب بمستويات السرد والقرب من محاكاة الواقع وترميز الشخوص والإشارات المتضمنة في كتابته. تكتسب المجموعة القصصية تشويقها وجاذبيتها من الاستطرادات السردية الممتعة عن حياة البشر، في حين تلتقط عدسة المبدع العالية الحساسية كثيرًا من المواقف والمشاهد الدامغة التي تجسد معاناة الروح وصراعات الجسد وإكراهاته في الحياة المصرية المعاصرة.

تسبح المجموعة القصصية - الصادرة عن دار رياض الريس للنشر - حتى قرب نهايتها في فضاء زماني مبهم، وتنتقل بين عدة أماكن، لكن يظل حضور كثير من الأماكن والشخوص شبحيـًا عارضـًا في المجموعة لا يندرج في سياقها الأساسي.

لا تُعنى المجموعة القصصية بغلق أقواس هذه المصائر في نهايات مغلقة أو مفتوحة، لكن ما تخللها من مشاهد وغرائب، من انتقالات واستبطانات وفلسفة وفكر صيغ بلغة مكثفة تضمر شعرية رائعة وجمالًا تشكيليـًا بديعـًا يجعلها عملًا ممتعـًا.

حين تمضي في قراءة المجموعة القصصية، تتمثل لك تجسيدًا مكثفـًا لانهمار رحلة الحياة النابضة في أمكنة العمل الإبداعي. كاتبنا يبرهن هنا بشكل قاطع على مهارته الفائقة في تشكيل النماذج البشرية، وبلورة سماتها في سطور وجيزة تبرز ملامحها البدنية والمهنية.

في عمله الإبداعي، تمكن والي من حقن أسلوبه باللفتات الجمالية والتطعيمات القصصية المحفورة في جسد النص بإتقان حشوات "الأرابيسك" التي تضفي عليه كثافة رائعة وبهاء معجبـًا. كما تظهر في سطور هذه المجموعة عدة مواقف ناتئة مسنونة تمثل الشواهد الكبرى على إيقاعها المضبوط.

انظر إليه يستخدم منطق الأمور مستعينـًا بما يملكه من دراية بشكل وتصميم الحارات الشعبية وإلمام بطبيعة وسلوكيات قاع المجتمع، حين يقول: "وفي عُرف المتنصّتين فإن هذه الحارة تتمتع بميزات عديدة أولاها أنها حارة سد لا تقود إلى شارع آخر أو حارة أخرى، وبذا فالقدم عليها معدومة. وثانيها امتداد لأولاها؛ فلأنها سدٌ وليست مطروقة من الممكن أن يتحجج الإنسان منا ويزعم أنه يقضى حاجة عرضت ولا يحتمل السير للجامع القريب. وثالثها؛ أن هذه الحارة دائمـًا غارقة في ظلام دامس. لأن سكانها فقراء وشراء لمبة كهرباء يحتاج إلى اقتراحات وموافقات على الحجم والنوعية وكم وات، ومن أي دكان يشترونها وهكذا ينتهون لبقاء الحال على ما هو عليه. ورابعها؛ أن سكان الحارة فلاحون (عدا الشيخ عبيد الكفيف ومقرئ الجامع المجاور) يشقون طوال النهار ويتعبون فنومهم ثقيل ولا يحتاجون إلا نور الله في الفجر". كأنك تدور معه في دهاليز وكواليس الحارة وأهلها فتعرفهم واحدًا بعد الآخر.

وعندما يصطدم الحُبُّ بصراع داخلي يتعلق بأسلوب أو لغة التعبير عن المشاعر، تعانق التفاصيل الإنسانية الدقيقة حقيقة مؤلمة عن أمراض الريفيين ورؤية ساخرة لمن ينافقون أو يخضعون في خنوع للحاكم. يجد المرء نفسه أمام كاتب يؤرخ للقرية وتغيراتها الاجتماعية مثلما يؤسس لشكل إبداعي يقترب أحيانـًا من عبدالحكيم قاسم وخاصة في "أيام الإنسان السبعة"، ومصطفى نصر في "الهماميل"، إضافة إلى "الوسية" لخليل حسن خليل.. وأعمال محمد مستجاب.

وها هو صاحب "المتنصّتون" يحدثنا بأسلوبه المتدفق عن قصة حُبٍّ مختلفة، فيقول: "كان سرحان يدبّج خطابـًا غراميـًا لنجلاء المنوفي زميلته بالمدرسة الثانوية التي أصبحت مشتركة بين البنين والبنات بعد الهجرة. وكانت هي من بورسعيد وأول من لبس البنطلون من الفتيات في بلدنا وأول من رّكبت الدراجة. كانت تذهب لدروس التقوية عليها وكذا لتتسوق لأمها المشلولة وتشترى الطلبات.

كتب لها: يا ربيع حياتي ويا قطعة من دمي ويا حتّة من كبدي. وكانت تعذبه كلمة حتة هذه. فهي عامية وهو يتفاصح في الخطاب. فهكذا درجنا على أن تكون الكتابة للبنات بالفصحى. ربما من باب الاحترام وجلال حالة الحُبِّ أو لبيان شدة لواعجه. وكان لا يرتاح أيضـًا لكلمة قطعة من دمي رغم أنه جرَّب أن يكتب لها رسالة بالدم كالتي تكون للزعماء (هي عنده أهم وأفضل) فوجد دمه مكبدًا إلى قطع لم يمشِ فيه سن القلم ولا البوصة".

ومن يعرف أمراض أهل القرية في مصر قد يرى في ما كتبه أحمد والي في عبارته الأخيرة إشارة إلى أمراض الدم والبلهارسيا والتهاب الكبد الوبائي التي تنهش في الأجسام كغول لا يرحم.