ياسمين مجدي تذهب إلى السويس بقوارب من الشمع

"قوارب الشمع" حكاية تأخذ إلى الغياب والقوارب إلى الإبحار في رواية بطلها المكان.


الكاتبة المصرية تقوم مقام التوثيق التاريخي الزمكاني المعني بالإيقاع


اتجاه الرواية المعاصرة هو تكسير قواعد الكتابة الروائية الكلاسيكية

السويس (مصر) ـ أقامت الورشة الأدبية بمدينة السويس مساء الخميس ندوة لمناقشة رواية "قوارب الشمع" للروائية ياسمين مجدي، وناقشتها الشاعرة فكرية غانم وأدار الجلسة القاص د. علاء حراز . صدرت رواية "قوارب الشمع" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ورشحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة ساويرس في الرواية.
تحدثت الشاعرة فكرية غانم قائلة إن رواية "قوارب الشمع" تعطي للشكل والسرد أهمية جوهرية وأنها رواية تلتقط من خصوصية تجربة الأفراد والمجتمع مشاهد وأحداثا تجعلها موصولة بالأفق الإنساني الذي يتجلى عبر التخيل والأسطورة وصراع العواطف والأهواء والأفكار. 
وأضافت فكرية غانم أن رواية "قوارب الشمع" هي محاولة البطلة اكتشاف الذات والحياة برحلة في أسرار مدينتها التي عبقت بالشمع والحناء. والمدينة تأتي في البداية على استحياء في فلكلور غنائي "قطعني حتت واقليني في الزيت. قدمني طبق شخرم وبطيط" ثم تبدأ الروائية في رسم المدينة مكانيا على رصيف كنيسة الراعي الصالح وبيت أولاد ربيع.
وأكدت فكرية غانم أن الكاتبة ياسمين مجدي تقوم مقام التوثيق التاريخي الزمكاني المعني بالإيقاع، وأنها أخضعت كل التفاصيل المرجعية لتشاركها في عملية الكتابة. مستعملة العمق الفلسفي الذي يأخذنا منذ الصفحة الأولى لتناول المرأة للطين في الفم كدهشة للمتلقي إلى أن يصل إلى التغطية الكاملة للجسد في الحفرة الأخيرة. واللغة موحية بين الترميز الأسطوري والتوظيف الفلسفي. والحوار لدى المؤلفة هو جدلية بين البقاء والفناء.

الذين كتبوا من الخارج عن مدينة السويس كانت لهم رؤية مختلفة عمن كتبوا من داخلها. فقد كتبوا بعين خارجية لتبدو الأشياء مختلفة ومدهشة من عيونهم

وذكرت الشاعرة فكرية غانم: "أن المفهوم اللغوي في رواية قوارب الشمع خرج عن الأطر التقليدية، لتنشأ له خصوصية ذاتية، حتى أن الكاتبة تحدثنا عن أسطورة لم يسمع بها أحد من قبل، فتقدم أسطورة عن حركة النساء في الهواء وهن أشباح بفساتين بيضاء وحين يلتقين برجال القصر الآخر ينفك سحرهما ويتزوجا. وتكاد الميثولوجيا في العمل تأخذنا إلى أن الخالة وهي إحدى البطلات تتسع بامتلاكها لحائط يحمل الصور لتصبح هي المدينة نفسها، كما لو أنها فكرة توحد الشخوص مع المكان أو حلوله فيهم. ويبدو ذلك أيضا على مستوى الدلالة اللغوية، فتقول: "الرجل الذي أحبك يا أمي صار مدينة للجثث". 
وللأنثروبولجيا تواجد عال في العمل، بسبب البعد الإنساني والموتيفات الشعبية مع حركة في المكان والزمان فنرى استدعاء الكاتبة للأغاني، المدافن، الجريج الذين يقطنون الأدوار الأرضية في شارع التحرير، فلة والبرنيطة الخوص، السيدة التركية، كابتن غزالي، الغربان، الروض القديم".
وعن عنوان الرواية قالت غانم: "إن اتجاه الرواية المعاصرة هو تكسير قواعد الكتابة الروائية الكلاسيكية بالتلخص من التصاعد المتسلسل للسرد واللجوء إلى تكسير المسرود. فتأخذك أضواء الشموع المذكورة في عنوان الرواية إلى الغياب وتلهمك القوارب للإبحار وتسلمك إلى الهروب من الآن إلى الماضي".
تحدثت المؤلفة ياسمين مجدي عن خروج روايتها "قوارب الشمع من الورق إلى الشوارع التي تعرفها، فحكايات الرواية عن السويس، ويبدو جميلا أن يتم مناقشة العمل في المكان الذي يحكي عنه. وقالت المؤلفة: "أرادت الرواية القبض على التاريخ الاجتماعي الموجود لدى الناس قبل أن يركض، ويصبح مجهولا للأجيال القادمة. فتقدم الرواية تفاصيل إنسانية عن التاريخ فلا تحكي عن الهجرة كحدث سياسي إنما عن الناس الذين هاجروا واضطروا للإقامة في ملاعب كرة قدم أو قيام عائلات مختلفة باقتسام حجرات بيت واحد يتشاركونه. وقد استحقت مدينة مثل السويس الكتابة عنها لما تملكه من مقومات تاربخية وأحداث مهمة، وحروب، وأبطال. 
تبحث الرواية في أسئلة الميراث والهوية، من نحن، من نكون وما الذي نحمله عبر الأجيال السابقة، دون أن يبدو الميراث قيدا على تطورنا، إنما يصبح إطارا لمعرفة ذواتنا وتقدير أنفسنا. كما تفعل الدولة الأميركية وتستعمل السينما الفن لإبراز تاريخ أميركي يدهش الآخرين ويخرجون منه برموز أسطورية. فتتحقق الهيمنة الأمريكية وإيمان الآخرين بالبطل الأسطوري الأميركي. لذلك من المهم أن نبني نماذجنا التاريخية عبر أعمال فنية تنحاز إلى هويتنا". 

التخيل والأسطورة
العمق الفلسفي 

وتحدثت الكاتبة عن أنها تهربت من الكتابة عن هذا العالم وحاولت أن تتجاهلها، لكنها فجأة تنبهت للحكايات المدهشة التي ترويها الجدة عن مدينة السويس، وهو ما دفعها للكتابة عن هذا العالم، ودخول تجربة الكتابة للبحث عن إجابات للأسئلة مثل علاقتنا بهويتنا، ما الذي نبحث عنه في ذواتنا عبر تاريخ طويل من الأجيال السابقة، فكانت الحكاية عن مدينة السويس المدينة التاريخية الموجودة منذ عهد مصر القديمة، والتي سميت بهيروبولس أو أرسينوي ثم عرفت بكليزما أو القلزم. وقد تغير موضعها عبر التاريخ مع انحسار ومد البحر وتغير موقع الأراضي الطينية الضحلة.
وفي كلمته قال القاص د. علاء حراز: "قوارب الشمع هي أدب المكان، تعرضت الكاتبة فيها لسمات وتفاصيل المكان من مسجد سيدي الغريب ووصول المدينة عبر بوابة زرقاء والسمك المجفف. فالبطل في هذه الرواية ليس الشخصيات لأن الكاتبة لم تكن معنية بتفاصيل الحكاية إنما بتحويل المكان إلى بطل في حد ذاته".
وأضاف الشاعر حاتم مرعي أن الذين كتبوا من الخارج عن مدينة السويس كانت لهم رؤية مختلفة عمن كتبوا من داخلها. فقد كتبوا بعين خارجية لتبدو الأشياء مختلفة ومدهشة من عيونهم، مثلما كتب خيري شلبي وعلاء الديب وياسمين مجدي، وهذه هي كتابات إنسانية بعين خارجية عن المدينة بخلاف أغلب ما كتب عنها وتم تصنيفه أدب حرب. وفي رواية "قوارب الشمع" تطرح البطلة سؤالها الوجودي عبر المكان بسكانه وتاريخه وتفاصيله. واستعملت المؤلفة بعض الشخصيات الحقيقية لتحولها الى شخصيات أسطورية مثل فلة الجريجية".
وذكر الشاعر مجدي عطية أن المكان هو البطل في الرواية، بلغة روائية مكثفة جدا أقرب للجملة الشعرية وأحداث الرواية سريعة من وحي هذا العالم الشعري واللغة الشعرية الذي سارت في أجواء روائية.
يذكر أن الورشة الأدبية هي ورشة شهرية يقيمها النادي الثقافي النموذجي بأبو عارف والنادي الثقافي بجمعية الهلال الأحمر فرع السويس، وتقام الورشة في الخميس الأخير من كل شهر لمناقشة التجارب الأدبية، برئاسة الشاعر حاتم مرعي مدير النادي الثفافي النموذجي.