يا خسارة يا مصر

من منّا له ليس له في نفسه جزء من مصر. مصر التاريخ.. مصر الفن والادب.. مصر الازهر.. مصر التراث.. مصر كريمة العنصرين.. مصر السماحة.. مصر الفلاحة.. مصر الاستاذ والمدرّس.. مصر الحضارة.. مصر الاوبرا والتحرير.. مصر المكتبات والفنون.. مصر شم النسيم وربيع فريد... مصر شوقي والعقاد ونجيب محفوظ وام كلثوم وعبدالوهاب وطه حسين والايام...

غزتها شعارات القومية والتحرير وفلسطين والاشتراكية وعدم الانحياز سنينا طوال.. فلا طالت لا هذه ولا تلك.

ثم جاء 25 يناير.

حققت 25 يناير هدفها في اسقاط اكبر نظام عربي في العصر الحديث لاستبداله بنظام ديموقراطي مدني يسع الجميع..

تحركت وسائل استعطاف المواطنين البسطاء في ان "الاسلام هو الحل". رضي البعض بذلك (لا يتجاوز 11 مليون) من اصل 52 مليونا مسّهم العوز والفقر وحتى التجهيل.. اعتقدوا ان ذلك صحيحا.

الا ان ما في عقول هؤلاء المؤدلجين منذ زمن نتيجة اله مبرمجة وممولة ومنظمة منذ اكثر من 80 عاما.. نمت وترعرت في ظروف محلية ودولية واجتماعية تختلف تماما عن ظروف اليوم.. لم يكن الاسلام كما عرفه المصريون البسطاء اصحاب "اذا كانت المسيحية ديني..فأن الاسلام وطني" والذين لا يعرفون حتى اليوم هل ليلى مراد تلك المغنية الشعبية المحبوبة.. هل كانت مسلمة ام يهودية ام مسيحية ولاهمّهم ذلك. وهل احمد شوقي الذين اسموه "امير الشعراء".. هل كان مصريا ام البانيا ام من اصول تركية ..بل ان هؤلاء المؤدلجين في عقولهم السلطة والمال والقفز من شعارات القومية إلى شعارت الخلافة الاسلامية بل تحرير العالم وهديه إلى "اسلامهم" إلى يتغير عندهم كل يوم حسب الحاجة والوسيلة والغاية.. ..ليكونوا اساتذة العالم! في ماذا؟ لا اعرف. فهم لم يكتشفوا او ينجحوا في شيء غير اعتراض اهداف الثورة في بناء الوطن والديموقراطية التي تسع الجميع. لقد نجحوا وفي ذلك بقدرة وتنظيم واصرار وجهل عجيب غريب. بل نجحوا ايضا في تهيئة الارض المناسبة لنمو الحركات المتطرفة التي نمت نموا سريعا فأصبح في مصر اكثر من خمسين حركة لمن يحملون فكرة "الاسلام السياسي" باسم الدين ويختلفون في الرؤية والاسلوب والمنهج الا انهم يتفقون في جعل الدين حصنا يرمون كل من يخالفهم في تلك "السياسة" بالكفر واشياء اخرى رغم ان الاسلام والدين والرسول والله.. واحد..اذا هي ليست "اسلاما".. بل "سياسة".

والسياسة ان كانت خاطئة ستقسم المجتمع المصري المتماسك منذ الاف السنين. وهذا ما نراه اليوم في مصر.. ومن بعدها تونس.. ومن بعدها كل الاوطان التي ستسير بنفس السياسات الخاطئة. لن تعود مصر كما كانت مقصدا وانموذجا لنا الا بتكليف حكومة انقاذ من كافة الشرائح. تكون من اولى واجباتها تأسيس وطن ودستور يسع الجميع.. لا غلبة فيه لاحد. ولتكن تركيا نموذجا في الدستور والحكم من مراحلها الاولى وليس القفز على مؤخرة المراحل لان اردوغان نفسه الذي اختارته جماعة الاخوان في مصر ليكون نموذجا للحكم الاسلامي يحكم الان في دولة دستورها يسع الجميع.. حتى الاوربيين..فهو نفسه لن يكون قادرا على حكم مصر كما هي اليوم.. بدون دستور كدستور تركيا.