يحيى الواسطي .. أول مصور إسلامي

بقلم: صلاح بيصار
براعة في التبويب والترتيب والتذهيب

دق هاجس العولمة بابنا العربي. دق بقوة لكنه هاجس في النهاية. فملامحنا وقسماتنا وخصوصيتنا العربية ترفض الهيمنة وفقدان الهوية. وشخصيتنا بتراثها الطويل لا تقبل الا ان تظل العلاقة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثابت والمتحول والموروث والوافد علاقة ايجابية تجعل صورتنا العربية اكثر وضوحا واشراقا وتألقا خاصة وفي الجانب الادبي والتشكيلي او البصري من الثقافة، لنا مساحات فاضت على الآخرين واثرت بعمق.

وها هو رمضان هذا الشهر الكريم يحمل صورا بصرية عديدة من الاحتفالات الشعبية يعيد سيرتها من عام الى عام بطول التاريخ مع ما يحمل من فيوضات روحانية، يمثل صورة للخصوصية وتحدي العولمة في جانبها السلبي.

ولعلنا نتذكر كتاب "الف ليلة وليلة" الذي ألهب خيال الغرب من اول ترجمة اوروبية له في بداية القرن الثامن عشر. ومن هنا ألهبت ايضا "حكاية السندباد" دانييل ديفو، فأبدع رائعته "روبنسون كروزو". كما الهمت معاصرا له هو جوناثان سويفت، فجاء عمله الخالد "رحلات جلفر" يناديه البحر فيلبي مستجيبا لروح المغامرة كما فعل سندباد من قبل.

اما عن الابداع التشكيلي وخاصة فن الكتاب فنستطيع تأمل جمالية الفن العربي واضحة من خلال المنمنمات او الصور الايضاحية من المخطوطات العربية والمحفوظة في المتاحف العالمية مثل "كليلة ودمنة" ومقامات الحريري، خاصة والفنان في ممارسته الصورة على الورق يظل اكثر قدرة على التعبير عن مفهومه لفن التصوير.

والمنمنمة في اللغة واللهجات الدارجة هي الشيء الدقيق ذو الملامح الصغيرة والذي أخذت عنه الترجمة اللاتينية "ميناتير" وهي في الرسم نوع من التعبيرية واقترنت بالفنون التصويرية التي جسدت عدة مواضع أدبية وعلمية.

ونحن يعنينا هنا مقامات الحريري ذلك لان الفنان يحيى الواسطي يعد أول مصور اسلامي قدم اعمالا فنية تحمل اسمه مع قيمتها التشكيلية والتعبيرية. وقد اشتملت المقامات على مجموعة من القصص تميزت بدقة الملاحظة ودقة الخيال. قام بتصويرها الواسطي باسلوب رشيق بسيط. كشف عن مفهوم أصيل عبر عن ملامح البيئة العربية فيما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وهي مؤلفة من 365 ورقة وفي كل ورقة 15 سطرا كتبت بمداد اسود وبالخط النسخ الجميل المنقط والمشكل.

وقد برهن الواسطي من خلال المقامات على براعة في التبويب والترتيب والتذهيب وتنشق الصفحات والهوامش كما يقول د. ثروت عكاشة. وتزيين العناوين حتى فاقت الصور او المنمنمات التي رسمها النص نفسه من حيث البلاغة والايضاح، ولذا فهي تمثل ملمحا قويا من ملامح التصوير الاسلامي تميزت به مدرسة بغداد والتي غلب عليها الرسوم الآدمية بما فيها من حياة وقوة مع التلخيص في تفاصيل أجزاء الجسم وإهمال التشريح والتغاضي عن الاهتمام بالنسب بين الاعضاء. كل هذا كان له تأثير كبير على الفن المعاصر وثورة الفن الحديث واثر بقوة بين فنانين عديدين من أهمهم الفنان الفرنسي ماتيس نبي اللون والتي تمثل أعماله ايقاعات شديدة العصرية بروح الشرق العربي. وكان التصوير الاسلامي متمثلا في فن الواسطي يمثل صورة لتواصل الحضارات، وقد انتقل الابداع من ريشته إلى ريشة فناني الغرب. تأكيدا على معنى الفن ومعنى استلهام المعاصر للأصيل واستيحاء الغرب للشرق. فهل يعي هؤلاء الذين يختلقون صدام الحضارات؟

رسام الخليفة

ولد يحيى ابن محمود الواسطي بداية القرن الثالث عشر الميلادى ببلدة واسط جنوب العراق، وينتسب اسمه اليها وعمل رساما للخليفة المستنصر العباسى بدءا من عام 1242 وقام بتزيين اكثر من نسخة من مقامات الحريرى وغيرها من امهات الكتب العربية. وهو يعتبر بحق مؤسس مدرسة بغداد للمنمنمات واستاذ فن شخصي يرسم بأسلوب تعبيري ينتمي لشخصيته اكثر مما ينحدر الى الاصول والقواعد التقليدية. وكان مثقفا واسع الاطلاع ترجم الصور الذهنية الى واقع حي. وعاصر جيلا من مفكري بلاد الرافدين مثل المؤرخ ابن الاثير والعالم ابن الرزار والجغرافي ياقوت الحموي. والعجيب أنه أقام في الجامعة المستنصرية ببغداد العديد من المعارض كما اقتنيت له اعمال فنية في الاندلس والمغرب العربي.

وكانت صور المخطوطات قبل القرن الثانى عشر الميلادي نادرة بالرغم مما ذكره المؤرخون عن كتب. وقد وصل الينا من مصر بعض الاوراق المصورة والموجودة حاليا بمكتبة الارشيدوق "رينر" بفينا. كما عثر على بعض الصور من العصر الفاطمي في مصر تمثل جنديين بينهما شجرة زخرفية وفوقهما طراز من الكتابة الكوفية كما يشير د. جمال محرز.

ومن بين الكتب التي ظهرت في عصر الحريري مخطوط من كتاب "كليلة ودمنة" عام 1230 به صور صادقة التعبير عن الحيوان ومخطوط "خواص العقاقير" كتبه عبدالله بن الفضل عام 1222 وبه 30 صورة موزعة حاليا بمتاحف العالم.

شعبية المقامة

وتؤلف مقامات الحريري التي صورها الواسطي مجموعة من القصص تميزت بدقة الملاحظة وخصب الخيال وبلاغة النص. وكانت لها شهرة شعبية ومكانة في الأدب وهي تحكي قصة ابي زيد السروجي وهو رجل فصيح اللسان حاضر البديهة واسع الحيلة، ولكنه رث الحال يغشى الجموع ليقوم فيها خطيبا ويهوى التخفي متسترا من الخصوم، وله باع في دراسة المجتمع وكشف مواطن الضعف في الناس، بمعنى آخر هو مصلح اجتماعي بشكل ساخر فيه حكمة.

وعلى الذين يجافون التصوير حتى الآن في عصر تدفق الصورة اللحظية من انظمة الدجيتال كشف المستشرق ريتشارد اتنجهاوزن في كتابه "التصوير العربي" عن ان اهتمام العرب بتصوير الكائنات الحية يعود في جوهره الى استقرار الحكم لمدة طويلة في أيدي عدد قليل نسبيا من الحكام الاقوياء الذين عاونوا بطريقة مباشرة او غير مباشرة على هذا الازدهار كما أن كثيرا من الاثرياء من التجار قد أسهموا في تشجيع الفنانين بإقبالهم على اقتناء اعمالهم.

ومن المصادفات والتوافقات السعيدة ان يحيى الواسطي انتهى من رسم مقامات الحريري في شهر رمضان، وحدد تاريخ ذلك وقد كتب في آخر صفحة من المخطوط يقول: "فرغ من نسخها الفقير الى رحمة ربه وغفرانه وعفوه يحيى بن محمود بن يحيى بن الحسن وصورها آخر نهار يوم السبت سادس شهر رمضان سنة اربع وثلاثين وستمائة.. حامدا الله تعالى".

تحية إلى الواسطي اول مصور إسلامي و"رمضان كريم".