لماذا تعتزل فنانات على اول الطريق؟

القاهرة
نادين من انجح الفنانات الشابات اللاتي قررن الاعتزال

لماذا تعتزل الفنانة الناشئة أو المبتدئة التي لم تقدم إلا فيلماً واحداً أو فيلمين؟ انها لا تكاد تبدأ حتى تعلن اعتزالها وتنشر الخبر في الصحف لنقول بعدها إن داعية نصحها أو مرضاً عضالاً لحق بها أو أنها خدعت في الفن وعالمه وقررت التوبة.
ونتساءل هل الفن عند كثيرات مجرد حلم بالشهرة والثراء دون تقدير لرسالة الفن ولذلك تتراجع الفنانة من هذه النوعية وتنسحب من طابور الوجوه الجديدة أو عند أول "عريس" ثري يتقدم أو عند أول عارض ما تتراجع.
استطلعنا أراء بعض منهن من الصغيرات اللاتي "اعتزلن" مؤخراً لأسباب واهية ووجدنا أن كثيرات منهن مازلن يقدرن الفن ويدرسنه كما استطلعنا آراء علماء الطب النفسي والاجتماعي لتحليل ظاهرة ابتعاد الفنانة الصغيرة.
عبير صبري تقول: "اعتزلت الفن دون ضغط من أي إنسان. ويحزنني جداً ما يتردد من ان زوجي وراء اعتزالي أو أن هناك جبهة معينة ضغطت عليَّ، وكل هذا لا أساس له من الصحة. وللأسف هناك من يلومني لظهوري في التليفزيون وحديثي عن الحجاب.. لماذا هل فعلت خطأ أخجل منه؟ وهل أبحث عن شهرة كما يدعون من وراء الحجاب؟ أنا مشهورة اصلا. وأقول لمن يدعي أن زوجي ضد عملي بالفن ان هذا غير صحيح لأني متزوجة منذ عامين وكنت لآخر لحظة مرتبطة بأكثر من عمل في السينما والمسرح والتليفزيون والآن ليس لي علاقة بالفن وأعيش مستقرة".
وتضيف نادين: "اعتزلت الفن وان كنت لم أرتد الحجاب لكن اعتزالي له أسباب أخري وهي البعد عن مصدر الاشاعات والقيل والقال فانا كرامتي فوق كل شيء ولا أقبل أن أكون مصدراً للنميمة خصوصاً ما يقدم حالياً من أعمال فنية لا يستحق التضحية، والسلبيات أكثر من الايجابيات. ورغم انه تقدم لي حتى الآن عروض مغرية وبطولات ولكني مصرة علي موقفي ولن أعود للفن الذي خرج من دائرة اهتماماتي وأصبحت اكتفي بعملي بالأوبرا. كما أفكر جدياً في تقديم برنامج في التليفزيون المصري عن البيئة للتوعية خصوصاً وأنا علي ثقة اني لن أحقق أي مجد في الفن ولن أكون سعاد حسني أخري".
اما ميرنا المهندس فتقول: "ارتديت الحجاب ولم أعتزل الفن ولا مانع عندي من تقديم أدوار بالحجاب. ولم ابتعد عن الفن بدليل أني مستمرة في دراستي له فأنا في السنة الثالثة بمعهد الفنون المسرحية وأدرس تمثيل واخراج. وليس صحيحاً ان هناك شخصية دينية وراء الحجاب أو هناك أموالا تدفع لنا والحقيقة أني حزينة جداً لما يقال لماذا لا يتركوننا في حالنا غير صحيح أن مرضي السبب فالشفاء بيد الله والرزق أيضاً بيد الله.
وتضيف الفنانة المعتزلة شهيرة: "اتعجب من الذين ينظرون للفنانة التي تعتزل أو تتحجب علي ان شيئاً غريباً قد حدث. ان الفنانين دائماً تحت الميكروسكوب والكلام عنهم كثير وأرجو رفع الأيدي عن الفنانات المحجبات والاتهام بان هناك جهة تدفع لهن من أجل الاعتزال غير صحيح. وقد قيل عني ذلك عند الاعتزال وكنا أيضاً في فترة متقاربة، لكن يبدو أن القصة تعيد نفسها ونفس الأسباب تقال: جهة تدفع أو شخصية دينية وراء الاعتزال وبحث عن شهرة لقد كنا مشهورين واذا كنا نريد شهرة لحرصنا علي الاستمرار في الفن وشهرة الفن أوسع".
وتؤكد شهيرة انه غير صحيح أنها أو أي فنانة معتزلة وراء اعتزال الفنانات الشابات لانها علمت من الجرائد ولم تلتق أية فنانة لهذا الغرض.
اما الناقد الفني محمود قاسم فاه وجهة نظر اخرى اذ يقول: "لماذا نقول اعتزال الفنانات ولا يقال اعتزال المثقفات؟! والسبب ان بعض الفنانات صغيرات السن ثقافتهن محدودة وبالتالي يقعن بسهولة تحت تأثير ما يرد لهن من أي نوع من الثقافة فإذا قيل لهن ان التمثيل حلال أو حرام نجدهن يمتثلن لوجهة النظر هذه أو تلك دون ان يمتلكن رؤية محددة بخلاف المثقفة والتي تهوي الفن باعتباره وسيلة اتصال حقيقي مع الناس وليس بالابتعاد عن الفن تحت وهم انه حرام ولكنه مثله مثل أي مجال به السلبي والايجابي".
ويضيف: "الفنان يستطيع التأثير في المجتمع أكثر من المثقف باعتبار ان فنون الصورة تعيش فترة طويلة. والجهات التي تحاول التأثير علي الفنانات تركز علي الفنانات باعتبار ان لهن معجبين يقلدونهن في كل شيء والاتجاه للشابات تحديداً ينبع من أنهن يفتقدن القدرة علي النقاش حتى في أدوارهن التي يؤدينها علي الشاشة. انهن فقط مجرد مرددات لما يكتبه كاتب السيناريو دون ان يكون لديهن رؤية معينة والمهم في هذا الصدد مراجعة حصيلتهن الثقافية".
ويضيف الناقد الفني: "في فترة سابقة كان الاعتزال للفنان ينبع من احساسه أنه أدي رسالته وقدم المطلوب منه وعجز عن مواصلة هذا المشوار ففضل الابتعاد مثل ليلي مراد ولبني عبدالعزيز. لكن الآن تسعي بعض الجهات إلي تخويف الشابات بأسلوب الترغيب والترهيب واستبعد ان يكون المال أحد أسباب الاعتزال لأن هناك شابات اعتزلن ومستواهن المادي مرموق. وهناك بعض المحجبات لم يعتزلن الحياة بل ظللن علي تواصل مع الاعلام وأصبحت الفنانة المعتزلة بمثابة داعية اسلامية يتم استضافتها في البرامج ليؤخذ رأيها في مسائل دينية.. وتظل الظروف الخاصة بكل فنانة هي السبب الرئيسي الذي يجعلها تعتزل الفن".
وعن رأيه في اعتزال الفنانات الشابات يقول د. سعيد عبدالعظيم رئيس قسم الطب النفسي بقصر العيني: "ما أعرفه عن الفنانات المعتزلات القدامي كان لأسباب دينية حيث تحجبن وقلن ان التمثيل حرام وكأن التمثيل فاحشة. ولكن الجديد هو اتجاه عدد من الشابات للاعتزال رغم انهن في مقتبل الطريق الفني وهو شيء غريب وقد يرجع ذلك لأسباب متعددة، إما دينية أو ان أزواجهن يرفضون عملهن بالتمثيل لأن الأفلام بها بعض المواقف التي تفهم خطأ. وقد تكون هناك ظروف خارجية أخري. وبالنسبة للممثلة المعتزلة يكون لديها استعداد شخصي لأن هذا القرار ليس سهلاً. والتمثيل كان حلماً تتمني تحقيقه وفجأة بعد ان تصل إليه تتخذ قرار الاعتزال فهو قرار صعب لا يصدر إلا عن قناعة أو تحت ضغط يفوق رغبتها. وقد يأتي من كونها جلست مع احدي المعتزلات وأعطت لها محاضرة وهي متأثرة بشخصية زميلة لها أو جلست مع رجل دين".
أما عن سمات شخصية الفنانة المعتزلة فيقول: "تتمتع بقوة شخصية لأن لديها المقدرة ان تتخذ هذا القرار غير المرغوب لدي الكثير منهن كما أنها تتنازل عن وضع معين".
ويؤكد العالم النفسي ان اعتزال الفنانات الشابات لا يعني ان المهن الفنية غير محترمة لأن هناك من الفنانين والفنانات علي أعلي قدر من الاحترام وكل مهنة فيها الصالح والطالح وعلينا ان نتنبه للدوافع التي تدفع هؤلاء للاعتزال.
د. سوسن الغزالي استاذ ورئيس وحدة الطب السلوكي بطب عين شمس تقول: "هناك مراحل تسبق أي سلوك انساني ومنها قرار الاعتزال للفنانة وهي مرحلة ما قبل التأمل ثم مرحلة التأمل وفيها يجري الانسان حواراً طويلاً مع نفسه قد يستغرق شهوراً أو سنوات وفيها تعقد النية علي الفعل ثم مرحلة الفعل "الاعتزال" ومرحلة الاستمرارية في هذا الأمر ثم الانتهاء بمعني التبني للاتجاه الآخر في هذا الفعل. والممثلة الشابة فتاة من المجتمع ربما دخلت الوسط الفني دون اقتناع وتجد أن هناك بعض العلاقات الاجتماعية المتعددة ربما تزيد عن الحدود التي ألفتها فتنسحب من المجال وتدخل في مرحلة سلوكية أخري وهي الاعتزال وارتداء الحجاب. وهناك من تدخل الوسط وتري أنه يحقق طموحاً معيناً وشهرة ومالا ولكن لسبب من الأسباب تتعرض لمشكلة صحية حادة وتجد من يغذي لديها فكرة الآخرة والموت ويجب ان تغطي شعرها فتعتزل تحت ضغط المرض".
وتضيف: "هناك من ترتدي الحجاب بعد ان تستمع لبعض الدعاة وشريط الكاسيت المنتشر لانصاف الدعاة لذلك تتكون لديها ثقافة هشة مشوشة. وهناك من يموت عزيز له فتقرر الاعتزال بعد أن تتأثر ويتسلل لها الخوف وتنسحب من المجتمع ويميل مزاجها للاكتئاب. ويؤثر في قرار الاعتزال الدافع المباشر لحدوث الفعل وكل من قررن الاعتزال وقعن تحت التأثير المباشر لدافع الاعتزال وهو فقد عزيز مثلاً".
وترى الدكتورة سوسن الغزالي ان الاعتزال ليس نهاية المطاف بل يجب ان يكون البداية لضبط السلوك والحفاظ علي الصورة العامة ومجاهدة النفس. وهناك محجبات ابتعدن عن الفن ثم عدن لأسباب مادية. بل ان هناك من عدن إليه ويمثلن بالحجاب. باختصار فكرة التمثيل والاعتزال ثم العودة تحكمها معطيات اجتماعية واقتصادية ونفسية.