سوريا تجتذب السياح بالأسواق والحمامات والتاريخ

دمشق
الصليبيون كانوا هنا ورحلوا

قد لا تكون سوريا على قمة مقاصد السائح الغربي في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر الماضي. لكن مكتب الخارجية الألماني كمثال لا يحبط من همم السياح الراغبين في زيارة تلك الدولة الشرق أوسطية. ومن المؤكد أن "سياح الثقافة" الذين يقررون التوجه إلى سوريا لن يشعروا بخيبة الأمل.

فقد تركت ثلاث وثلاثين من الحضارات المختلفة علامة على البلاد في الستة آلاف وخمسمائة عام الماضية، من بينها الحضارات السومرية والبابلية والمصرية والاغريقية والرومانية بالاضافة الى ما خلفه الصليبيون والعثمانيون.

ولكن كما أن هناك الأعمدة اليونانية والمناظر البابلية، فإن السياح هنا سيجدون حضارة عربية-إسلامية معاصرة بما في ذلك من حمامات شعبية فخمة وأكبر سوق (بازار) في الشرق الأوسط.

ولم يترك الأصوليون الإسلاميون أثرا كبيرا على سوريا. والإسلام ليس الدين الوحيد هنا، حيث يوجد أيضا مليوني مسيحي يمثلون 13 في المائة من سكان الدولة.

ويسير الكثير من السيدات في الشوارع كاشفي الرأس بدون ارتداء الحجاب. ولا تحظر المشروبات الكحولية والتنورات القصيرة (ميني سكيرت) هنا.

ومع ذلك فإن سوريا ليست مجتمعا غربيا. ولا ترى فتاة وشابا يقبلان بعضهما علنا هنا. وتتدفق حركة المرور بقواعدها الخاصة: فلا تعد العربات الكارو (الكارتات) التي تجرها البغال منظرا غير عادي على الطرق السريعة، والإشارات الحمراء تعتبر بمثابة دعوة لإطلاق نفير السيارة بدلا من التوقف.

وتمثل زيارة أحد الحمامات الشعبية الطريقة المفضلة لقضاء وقت الفراغ بالنسبة للمواطن السوري. كما ينجذب السياح الأجانب إلى حمامات نور الدين - وهي مجمع مباني عمره 800 عام يشتمل على قباب بهية وقرميد في حي السوق القديم بدمشق. وتعود طاقم العاملين هنا على الأوربيين ذوي حب الاستطلاع، وهم يتكلمون أيضا بعض الإنجليزية والفرنسية. ويمكنك الاستمتاع بحمام البخار الساخن والتدليك بينما تتأمل في إعجاب القبة الكبيرة من فوقك.

ويقع حي السوق (البازار) في وسط مدينة دمشق القديمة المقسمة إلى شرق وغرب بواسطة ممر. وهناك 12 كنيسة مسيحية بالقرب، من بينها اثنتان لا يجب أن يفوتك رؤيتهما: كنيسة حنانيا (انانياس) وكنيسة سانت بول في باب قيسان بالمدينة.

وطبقا للإنجيل فإن الرسول المذكور تدلى من حوائط المدينة هنا في سلة بواسطة أنصاره حتى يتسنى له الفرار من مضطهديه. وتدفن كنيسة حنانيا (انانياس) - التي يعود تاريخها إلي نحو ألفي عام - على عمق ستة أمتار في الأرض وتعتبر واحدة من أقدم المباني المسيحية المقدسة في العالم.

وعلى مسافة ليست بعيدة، يقع الجامع الأموي الذي يعود تاريخه إلي القرن الثامن بعد الميلاد. وتتسم رسوم الفسيفساء التي تصور الجنة في ممراته المبنية على هيئة أروقة وأقبية بالروعة والبهاء. وفي وسط ساحة الصلاة يقع ضريح مزين بزهور بلاستيكية يقال أنه يغطي رأس يوحنا المعمدان المدفونة تحته.

وعند الباب الشرقي للمسجد مباشرة تقع قهوة النوافرة، وهي ربما تكون أكثر أماكن تناول القهوة جاذبية في عالم الشرق. ويجلس الضيوف هنا على كراسي خشبية ويشربون النرجيلة.

وهناك الكثير من المواقع المسيحية الأخرى التي يمكن زيارتها في سوريا بالاضافة إلى دمشق. فهناك نحو عشرين ألف شخص في قرية معلولة في الجبال الواقعة شرق دمشق ومستوطنتين قريبتين يتكلمون الآرامية الغربية، وهي اللغة التي يتحدث بها السيد المسيح أيضا. كما تجتذب قلعة الصليبي "كراك الفرسان" العديد من الزائرين. ومن هنا حكم الصليبيون المنطقة بين عام 1110 وعام 1271.

وفي شمال سوريا يوجد دير سيميون الشهير بإيواء أول ناسك في التاريخ. وطوال ثلاثين عاما عاش سيميون جالسا على عمود ارتفاعه 19 مترا يصلي ويصوم وينام. وبعد موته في عام 459 بنيت كنيسة حول العمود. وكل ما تبقي منه اليوم هو جذع طوله نحو متر واحد. واختفت بقيته شيئا فشيئا على مدى قرون حيث تحولت إلى تذكارات في جيوب الحجاج.

وتستحوذ تدمر (بالميرا) - وهي واحة في الصحراء -على الحواس بجمالها. ففي السنوات بدءا من عام 266 حولتها الملكة زنوبيا إلى واحدة من أروع المدن في العالم المعروف في ذلك الوقت. غير أن الملكة دخلت في صراع مع الإمبراطورية الرومانية انتهى بقيام الامبراطور أورليان في عام 271 بتدمير المدينة.

وتعتبر حلب ثاني أكبر المدن السورية. وتعد القلعة التي تقع في وسط المدينة أكبر القلاع في العالم العربي. وبجانب ذلك هناك أكبر سوق تجاري في الشرق. ويضم سوق حلب 12 كيلومترا من الشوارع التجارية المسقوفة. ويمتلئ بروائح الكهرمان وصابون الزيتون ودهون الأغنام والحمامات. ووسط أصوات الماعز والآذان الذي يدعو الناس للصلاة يغزو عبق الماضي والحاضر بروائحه وأصواته وألوانه الحواس ويخلب الالباب.