صندوق الدنيا: اسامة محمد يصور عنف السلطة
عرض فيلم اسامة محمد "صندوق الدنيا" الذي حمل بالفرنسية عنوان "تضحيات" الثلاثاء ضمن تظاهرة "نظرة ما" الرسمية ضمن فعاليات مهرجان كان الخامس والخمسين ليكون الفيلم العربي الثالث الذي يعرض ضمن هذه المسابقة بعد فيلمين من لبنان وموريتانيا حظي كلاهما بالترحيب والاعجاب.
ويأتي فيلم أسامة محمد، الثاني له بعد "نجوم النهار" الذي انجز قبل اربعة عشر عاما من دون ان يعرض ابدا في سوريا بعد ان منعته السلطات.
وكافح اسامة محمد طيلة هذه الفترة للوصول الى تحقيق فيلم ثان، كما أنه ساعد خلال ذلك في عمل عدد من الافلام السورية لمخرجين آخرين واجهوا نفس الصعوبات التي واجهها هو عند انجاز اعمالهم.
تدور أحداث "صندوق الدنيا" في عالم بدائي مغلق بعيد ومنعزل في منزل يقع على تلة وتجاوره شجرة كبيرة معمرة ويحفل الفيلم بشخصيات نساء ورجال مسكونين بالمجهول ويعيشون وسط اجواء عنيفة يفرضها الوالد الجد الذي يظهر وهو ينازع في بداية الفيلم، لكنه يطلب من الله ان يعيش بعد ليرى احفاده.
ويكشف المخرج موقفه من السلطة التي هي "اقصى تجليات العنف" حين يصورها على مستوى العائلة فالعجوز الذي يحتضر يحاول افهام الآخرين بأن كل شيء سينتهي معه فتسارع النسوة للانجاب في ظل الخشية من ان ينتهي مع موته شيء ما.
اما الاطفال الثلاثة الذين يولدون فلا يكون لهم في البداية هوية محددة: انهم ابناء الجد الذي لم يمنحهم اسماء قبل ان يموت واستمر مع كونه على سرير الموت يمارس سلطته بعنف.
ويفتح الفيلم المجال للعديد من القراءات وبينها القراءة السياسية التي يمكن ان تتبادر الى ذهن المشاهد وهو يرى انفجار العنف المستمر الذي يكاد يخلع زوايا المنزل المنعزل، فكأن المنزل بلد، وكأن ناسه السكان.
وينصرف اسامة محمد في "صندوق الدنيا" كلية الى خلق صور سينمائية مشغولة بدقة وبخيال ملون في عالم غير واقعي يوقعه اضطرام الانفاس المستمر لجميع اشخاص المنزل والذي يصبح بمثابة اللازمة التي تتكرر في الفيلم من البداية الى النهاية الى جانب بعض الهمهمات وقليل من الكلام ما عدا مشهد رجوع الوالد من الحرب.
وتأتي الواقعية الى الفيلم الذي يحتوي على قدر كبير من الخلق السينمائي والصورة الفذة المتخيلة والمبنية عبر سيناريو صوري متميز من خلال هذه الشخصية التي تخترق وحدها عزلة المكان البعيد وتذهب لتشارك في شيء ما، في الحرب ضد الاسرائيليين ايام عبد الناصر.
فالرجل المحارب الذي يريد للأمور أن تتغير يفرض على عائلته بعد عودته من الحرب الخاسرة، نوعا من النظام العسكري ويلقي خطابا ايديولوجيا في الوطنية وفي ضرورة العمل للخروج من الجمود فيكشف ديماغوجية السلطة المركزية للثورة التي تريد من الجميع ان يعمل على التغيير وخاصة المرأة.
لكن المحارب الذي اخترقت الحرب خلاياه والذي يعود مكسوا بالتراب يعود ويختفي كأنما في كومة التراب التي خرج منها.
اما الشخصيات الاخرى فهي تتفاعل بالحركة اكثر مما تتفاعل بالعبارة في حياة ظلت على صيغتها البدائية في العلاقات الاولى داخل عالم محدود المساحة لكن غنيا في العلاقات وفي الرؤى غير الواقعية والاجواء التي تقترب كثيرا من نوع السينما التي اعتمدها المخرج الروسي تاركوفسكي.
وبين الشخصيات يلعب الاطفال الذين يكبرون في الفيلم دورا غنيا فهم يشاركون في جميع الاعمال ويخضعون للعقاب ويكتشفون كيف يولد الحب وكيف تولد المشاعر. وعلى الاطفال الاربعة الخضوع لقانون المكان. لكن اولهم يخضع وثانيهم يقع في الحب وثالثهم يحاول الوصول الى السلطة.
شيئا فشيئا يقترب الحفيد من صورة جده، يصبح أكثر تطلبا وعنفا ويتحول الى سيد للمنزل، خاصة عندما يكسبه الجندي لدى عودته سلطة اكبر ليصبح المنفذ الاول للفلسفة العسكرية الجديدة لعمه.
اما فيروزة البنت الوحيدة في الفيلم فالجميع يريدها فهي ترفض هذه السلطة وتبقى وفية للطبيعة فترحل من دون أن يعرف احد الى اين.
احداث الفيلم التي ليست احداثا في الواقع بل عبارة عن علاقات داخل العائلة المكونة من الاجداد والآباء والاعمام ونسائهم واولادهم، تنهض على مستوى استعاري ينبذ الواقع اللهم الا حين يقتضي الامر اقتباس عناصره لتشكيل الاستعارة.
يصور اسامة محمد "صندوق الدنيا" عبر لغة سينمائية متمردة جامحة تقلب قواعد المونتاج والتصوير وتبني عوالم نفسية داخلية صاخبة تعتمل في داخلها ثورات لا تفور بل تواصل خوض سعار الحياة والالم في عالم مغلق حافل مع ذلك بالشاعرية.
في الديكور المنعزل تتحرك الشخصيات وتتفاعل فيما يشبه الطقوس فالنساء يغسلن الصوف ويطين المنزل ويمددن الفرش وينظفن...وفي النهاية ينفتح ثقب في الوحول تظهر وراءه عين تنظر الى العالم. انها عين اسامة محمد.