مرفأ لنورس الصقيع
الثلاثاء 2002/06/25
بقلم : أحمد فضل شبلول
الشاعر أحمد حسن شاهين من الأصوات الشعرية المتميزة والمخلصة لفن الشعر في الإسكندرية، وقد صدر له حتى الآن ثلاثة دواوين شعرية هي: "مسافر وراء الذاكرة"، وحصل به على جائزة الشاعر الراحل عبد المنعم الأنصاري، و"اعترافات جيل الصبار" وصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، وأخيرا "مرفأ لنورس الصقيع" وصدر عن فرع الثقافة بالإسكندرية، بمقدمة للشاعر د. فوزي خضر، واحتوى على أربعين قصيدة.
في بداياته الشعرية كان أحمد شاهين من أشد المخلصين ـ في جيله ـ للقصيدة العمودية، وربما هذا يفسر حصوله على جائزة عبد المنعم الأنصاري، في وقت مبكر من مسيرته الشعرية، ومع احتكاك شاهين بالحركة الشعرية الشابة في الإسكندرية استطاع أن يخطو خطوات واسعة في عالم القصيدة التفعيلية، فصار الآن واحدا من أهم مبدعيها، والمساهمين في حركة تطويرها سواء من حيث اللغة الطيعة أو الصورة المبتكرة، أو التركيب الفني بعامة. ودائما ما يحن شاهين للماضي، سواء كان هذا الماضي عالم الطفولة، أو لقاءاته مع أصدقائه الشعراء الذين أطلق عليهم (جيل الصبار) في حجرته الصغيرة التي كانت منفصلة عن شقة أسرته بحي الحضرة القبلية بالإسكندرية، وعلى مبعدة خطوات قصيرة من بيت الشاعر الراحل عبد العليم القباني.
كان شاهين يناقش مع أصدقائه الشعراء في تلك الحجرة قضايا الوطن والفن والشعر والحب، وقد تجلى هذا في العديد من قصائد الديوان الجديد:
وارتضيناك جدارا
نحتمي في ظله
من لفحة الخوف
ومن وطء الزمن
وارتضيناك وطن
ومع تجربة الغربة والسفر والبعد عن الأهل والحجرة الصغيرة والوطن، تنمو الأسئلة وتتفجر داخل الشاعر، وينهمر الشعر الملون بطعم الخوف والحنين:
غيرتك المسافات
باعد بين النوارس والبحر ملحٌ
وبين البلابل والشجو جرح
وباعد بين انتمائك والأرض
خصبٌ أصاب
اليدين اللتين تشققتا
في أوان الجفاف
ويتردد في كل قصائد الديوان تقريبا صوت القضية العربية، باعتبارها من قضايا الوطن المحورية، التي لا يملك الشعراء الصمت إزاءها:
تأرجحت الأرض
ما بين قلبي
وآخر غصن يموت
على شجر الذكريات
فمزقت ثوبي البرئ
وحدقت في وجه أمي
فأغلقت الأم أبواب أعينها بالبكاء
وكانت تنام
على شرفة الفجر عصفورة شاحبة
فأقبل من آخر الأرض هذا العقاب
ليسرق من حلمها النور
ساءلت أمي
عن ثوب جدي والمسبحة
فأخرجت السيف من غمده
واستدارات تصلي
وكما نرى فإن معالجة شاهين للموضوع لم تكن زاعقة، أو مباشرة أو تقريرية، ولكن معالجته جاءت إنسانية تثير التعاطف مع الحق العربي الفلسطيني، من خلال الإقناع الفني والموضوعي، وقد ساعد على ذلك لجوء الشاعر إلى الرموز الشفيفة التي تكشف وتضيء أكثر مما تغطي وتحجب، ومن هنا كان تعاطفنا مع العصفورة الشاحبة، وكراهيتنا للعقاب المعتدي، وتعاطفنا مع الأم التي أخرجت السيف من غمده لتسلمه إلى ابنها بدلا من الثوب والمسبحة، ففي اعتقادها أن السيف هو الذي سيحسم الأمر.
وعلى الرغم من عدم كثرة القصائد القصيرة جدا (الإبجرامة) في الديوان، إلا أن وجود هذه القلة في ديوان "مرفأ لنورس الصقيع" يشي بأن الشاعر على وعي تام بفنية هذا اللون من القصائد، من حيث التركيز والتكثيف والمفاجأة. يقول:
تطلعي لليل سيدتي
تطلعي للريح
تطلعي بقلبك الجريح
فطفلك الموعود
مذ ضاجعت سماؤك الرعود
رأيته ذبيج
ملقى على الحدود.
أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية