طام طام زنجي: ايقاع الرئيس السنغالي الشاعر
الاثنين 2002/07/01
بقلم: أحمد فضل شبلول
يهتم الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور (1906 ـ 2001) بالإيقاع في شعره أيما اهتمام، وهو يصف الإفراط في استخدام الصورة ـ في مقابل الإيقاع ـ ، بأنه كالمخدر (الصورة بوصفها مخدرا).
بل إنه يرى أن قوة الصورة التماثلية لا تتحرر إلا بفعل الإيقاع، وأن الشعراء الكبار كانوا "سمعيين لا رؤيويين". وأن الإبهار المتمادي للصور ـ حتى لو كانت باهرة ـ يضلل البصر، وأن الإيقاع هو سر القصيدة، ومنه ينشأ الانفعال، ويولِّدُ الانفعال بدوره.
وقد حرص الشاعر اللبناني د. شربل داغر، على ترجمة مختارات من شعر الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سنغور، اختار لها عنوان "طام .. طام زنجي" وراجعتها د. ليلى عثمان فضل. وصدرت مؤخرا عن سلسلة "إبداعات عالمية ـ العدد 336" التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت.
ولعل عنوان المختارات يشي بحرص داغر على إبراز الجانب الإيقاعي في شعر سنغور، فطام طام نوع من أنواع الإيقاعات الزنجية أو الأفريقية. وهو ما حرص عليه الشاعر الراحل في أعماله الشعرية مثل: أناشيد الظل، الليليات، رسائل الشتاء، قرابين سوداء، إثيوبيات .. الخ. بل إن سنغور كان مهتما بإعادة القصيدة إلى أصولها المغناة والراقصة، كما كان في اليونان، ومصر الفراعنة، وكما اليوم في أفريقيا السوداء.
ولكن المشكلة عند سنغور هي: كيف يكتب شعرا زنجيا باللغة الفرنسية، أو بمعنى آخر: كيف يمكن أن نشق الطريق لشعر زنجي أصيل، من دون أن يتخلى عن أن يكون فرنسيا؟ ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ يرى أن الكلمات الفرنسية تشع بآلاف الأنوار مثل "الماس".
ومن هنا تأتي صعوبة ترجمة سنغور. يقول شربل داغر: "ليس من اليسير ترجمة قصائد سنغور، لأنه ينتمي إلى الأدب السنغالي الذي يحيا متمزقا بين القول ولغته، وبين اللغة وأساليبها، فأفضتْ هذه الحالة إلى قيام نصوص أدبية تستخدم تعابير ومفردات ليست من أصل اللغة الفرنسية، بل من الفرنسية في حالتها السنغالية، إذا جاز التعبير".
والكتاب ليس مجرد ترجمة لمختارات شعرية سنغالية، ولكنه فوق ذلك، يقدم حوارا مع الناقد السنغالي حميدو ديا، أستاذ الأدب الأفريقي في جامعة "روان" (غرب فرنسا). كما يظهر الكتاب علاقة السنغالي بالمغربي، وبالعربي.
وهناك ترجمة لذيل كتاب "إثيوبيات" (مثل خرفان البحر تمضي لتشرب من رأس النبع). وهناك خاتمة بقلم المترجم بعنوان "الهواء الكثيف لعزلة صافية"، هي عبارة عن الكلمة التي ألقاها بالفرنسية، وأعاد كتابتها بالعربية، في مناسبة التكريم الدولي لليوبولد سيدار سنغور في أصيلة بالمغرب، في صيف عام 1990 بمبادرة من "المنتدى الثقافي العربي ـ الإفريقي". يقول فيها: "لا يكفينا، والحالة هذه، أن نكون على أهبة الانطلاق، بل أن نكون أيضا مغامري الفكر، نعرِّض أرواحنا لإيقاعات خافتة، ولكن ملحة، إيقاعات تغير هيئتنا فيما نتمارى في النص. القصيدة أبعد من الغناء، تنجبنا في جديد راشدين ومتوقدين".
أغلب عناوين قصائد سنغور تتعلق بآلات موسيقية وإيقاعات إفريقية، سنجد عناوين مثل: الخالام، وهي ـ حسب المترجم ـ آلة إفريقية تشبه الجيتار، لها ثلاثة أوتار، وتناسب غناء المرثيات. والبالافونج، وهي آلة خشبية مؤلفة من قضبان يعزف عليها بمطرقتين خشبيتين. والريتي، وهي آلة قريبة من الربابة، لها وتر واحد، وتناسب القصائد الساخرة. والبلوز، وهي موسيقى بطيئة لجاز. هذا عدا الناي والأرغن والكلارينت .. الخ.
يقول سنغور في أناشيد للسيدة (مما هو مناسب للنايات):
يدٌ من ضوء داعبت رموشي التي من ليل
وابتسامتك ارتفعت فوق الضباب الهائم رتيبا فوق نهري
قلبي ردَّ صدى النشيد البكري لعصافير السحر
مثل دمي الذي وقَّع فيما مضى النشيد الأبيض للنسغ في أغصان الأيدي
ها هي زهرة الأدغال والنجمة في شعري وعصابة الرأس التي تزنر جبهة الراعي ـ الرياضي
سأستعير الناي الذي يوقِّع سلام القطعان
وطوال النهار جالس في ظل أهدابك، قرب "نبع فيملا"
أمينا، سأرعى الخوار الأشقر لقطعانك
ذلك أنه في هذا الصباح يدٌ من ضوء داعبت رموشي التي من ليل
وطوال النهار، قلبي ردَّ صدى نشيد العصافير البكري
يتضح من النص السابق أن هناك اهتماما بالطبيعة الأفريقية، وقد لفت هذا الاهتمام انتباه المترجم، فقال: "بجانب المحتوى الفكري لأشعار سنغور: نجد في أبياته أيضا موسوعة لتاريخ إفريقيا الطبيعي، تتضمن نباتات القارة السوداء بشكل عام والسنغال بشكل خاص، ومعادنها وحيواناتها، بالإضافة إلى سجلات لأعلام وأحداث تاريخية ..".
يقول سنغور في قصيدة مناسِبة للخالام:
وسنعوم يا صديقتي في حضور إفريقي
أثاث من "غينيا" ومن "الكونغو" جهم ومصقول، معتم وهادئ
أقنعة أساسية وصافية فوق الجدران، بعيدة ولكن حاضرة بقوة!
طاولات واطئة شرفية لضيوف وراثيين، ومن أجل أمراء "البلاد العالية"
روائع وحشية، حصائر سميكة من الصمت
وسائد من ظل ولذائذ، وضجيح نبع سلام
أقوال كلاسيكية؛ بعيدا، أناشيد متبدلة مثل وزرات في السودان
ثم قنديل ودي؛ وطيبتُك لهدهدة هاجس حضورك
أسود أبيض وأحمر أوه! أحمر مثل أرض إفريقيا.
لم تتوقف ترجمة شربل داغر على قصائد مختارة من أشعار سنغور فحسب، ولكنه ترجم أيضا مسرحية شعرية قصيرة بعنوان "شاكا" مهداة إلى شهداء "البانتو" في إفريقيا السوداء.
ولعل الموقف الفكري والسياسي يتضح في هذه المسرحية (أو القصيدة الدرامية متعددة الأصوات) أكثر من غيرها، حيث نقرأ فيها، على لسان شاكا:
أقول بأنه لا سلام مسلحا، لا سلام تحت الاحتلال
لا أخوة من دون مساواة. أردت أن يكون البشر كلهم أخوة.
ولعل سنغور يقصد نفسه حين يقول على لسان الجوق في هذه المسرحية:
مات فعلا السياسي المتمرس، عاش حقا الشاعر.
وبالفعل ما سوف يذكره التاريخ لسنغور هو صوت الشاعر، وليس صوت السياسي الذي تقلد كرسي الحكم في السنغال خلال المدة من 1960 وحتى 1981 حين استقال من منصبه.
سيذكر التاريخ الثقافي لإفريقيا أن ليوبولد سيدار سنغور حاز جائزة الشعر الدولية الكبرى عام 1962، وأسس في أغسطس 1980 "المنتدى الثقافي العربي ـ الأفريقي" وانتخب عضوا في "الأكاديمية الفرنسية" ورئيسا شرفيا للمجلس الأعلى للفرنكفونية عام 1990، (وأنه توجد جامعة باسمه في الإسكندرية ـ في منطقة المنشية، بالقرب من نصب الجندي المجهول ـ هي جامعة سنغور، يؤمها الطلبة الأفارقة).
أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية