لماذا تخلف العرب؟
عرض محمود القصاص
لندن - كثيرا ما يسأل العرب، خاصة الشباب منهم، انفسهم هذا السؤال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ لماذا نرى الحياة تسير للافضل في بلاد اخرى بينما تسير للاسوأ او لا تسير على الاطلاق في بلادنا؟
الم تكن امتنا في يوم ما امة ناجحة قوية متقدمة، فلم تحولت الى امة ضعيفة متخلفة؟
وعادة ما تكون الاجابة على هذه الاسئلة حديثا عاطفيا حماسيا طويلا عن هموم البلدان العربية التي لا اول لها ولا آخر، ويختلط فيه ما هو شخصي بما هو موضوعي، وما هو علمي بما هو مزاجي، وينتهي الامر بلا شيء عادة.
غير ان مجموعة من الباحثين العرب قررت ان تجيب عن هذه الاسئلة بشكل علمي وموضوعي، وان تقدم ببساطة ووضوح اسباب التخلف.
جاء هذا في "تقرير التنمية البشرية العربية في عام 2002" الذي قام باعداده مجموعة من الباحثين العرب بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة للتنمية، فجاء بحثا علميا رفيعا جمع بين المقاييس الدولية للتنمية والخبرة المحلية لأولئك الباحثين.
ونظرا لان مفهوم التخلف والتقدم ليس مجرد رأي او وجهة نظر، بل هو مفهوم علمي يتم على اساسه اختبار مجموعة محددة من مؤشرات التنمية ليتحدد على اساسها مدى تقدم او تخلف اية دولة، فقد اعتمد العلماء العرب اساسا على مؤشرات برنامج الامم المتحدة للتنمية.
وتقيس هذه المؤشرات سجل كل دولة في مستوى التعليم ونسبة الامية ومستوى العمر المتوقع علاوة على متوسط دخل الفرد لتحديد مستوى تقدمها. كما استخدم العلماء العرب مؤشرا آخر يستبعد متوسط دخل الفرد، لكن يأخذ في الحسبان سجل الحرية في الدولة، ومدى استخدام الانترنت، ونظافة البيئة. وكان اداء الدول العربية اكثر سوءا باستخدام المؤشر الثاني.
وترسم هذه المؤشرات صورة محزنة الى حد كبير. صحيح ان متوسط دخل الفرد العربي اعلى من نفس النسبة في اغلب الدول النامية، الا ان اجمالي دخل الدول العربية كلها، بما فيها الدول النفطية، يبلغ نحو 531 مليار دولار سنويا، وهو اقل من اسبانيا وحدها! كما ان واحد من كل خمسة عرب يعيش على دخل اقل من دولارين يوميا. وخلال العشرين عاما الماضية كان معدل نمو متوسط دخل الفرد نحو 0.5% سنويا، وهو اقل معدل في العالم باستثناء منطقة جنوب الصحراء الافريقية.
والنتيجة المنطقية لهذا النمو الضعيف في الاقتصاديات العربية من جهة، والنمو السريع في عدد السكان من جهة اخرى هو قلة الوظائف المتاحة، بحيث ان 15% من العرب باتوا يعانون البطالة الصريحة، ناهيك عن البطالة المقنعة. ويصل عدد هؤلاء الى 12 مليون فرد اكثرهم من الشباب. ويتوقع ان يرتفع هذا الرقم الى 25 مليون عام 2010.
وفي رأي الباحثين العرب الذين وضعوا تقرير التنمية البشرية ان هذا التخلف العربي، الذي تؤكده المقاييس والمؤشرات العلمية، يرجع لثلاثة اسباب رئيسية: غياب الحرية، ونقص المعرفة، وضعف قوة عمل المرأة.
ولنبدأ بالحديث عن الحرية، وهو حديث شرحه يطول في العالم العربي اذ ان اساسيات الحرية والديمقراطية غائبة عنه. فالحكام، سواء أكانوا رؤساء او ملوك او شيوخ، لا يسلمون السلطة لآخر الا بالموت. والانتخابات بشكل عام وهمية او مزيفة ولا تسمح بالتداول الحقيقي للسلطة.
اما الاعلام العربي فهو يعاني من قيود واسعة، ولا توجد دولة عربية بها حرية اعلام كاملة، باستثناء ثلاث دول بها حرية جزئية. وحرية التعبير تخضع لرقابة مشددة في حين تعاني المنظمات الاهلية بدورها من سلسلة طويلة من العقبات. ورغم ان العالم شهد تغييرات ديمقراطية واسعة في انحاء كثيرة، مثل دول اميركا الجنوبية، الا ان العالم العربي ظل في معزل عن رياح الديمقراطية.
وما لا يقدره الكثيرون هو ان احتكار السلطة يفرز عوائق اقتصادية كثيرة. فمثلا تذهب فرص العمل لاصحاب الصلات بالمسئولين لا لاصحاب الكفاءة مما يؤدي الى استمرار مديرون فاشلون في مناصبهم بسبب صلاتهم.
السبب الرئيسي الآخر لتخلف العرب هو غياب المعرفة. وكما يقول الامام علي بن ابي طالب: "ان من اراد الله ان يذله حرمه من المعرفة". ويوضح التقرير انه على الرغم من انفاق الدول العربية نسبة اعلى من دخلها على التعليم مقارنة باي دولة نامية، الا انه من الواضح ان هذه الاموال لا تنفق في محلها. فقد تدهور مستوى التعليم بشكل واضح بحيث صار هناك فجوة هائلة بين نظام التعليم وبين احتياجات سوق العمل. اما مستوى الامية فانخفض قليلا لكن لا يزال مرتفعا. وحاليا هناك 85 مليون يعانون الامية منهم نحو الثلثين من النساء.
وينفق العالم العربي على البحث العلمي اقل من سبع ما تنفقه دول العالم في المتوسط. وكانت نتيجة ضعف نظام التعليم والبحث العلمي العربي ان تخلف العرب بوضوح في مجال تكنولوجيا المعلومات، بحيث ان 0.6% فقط من السكان يستخدمون الانترنت، وهو من اقل المعدلات عالميا.
والاهم من كل ذلك غياب الابداع بين الباحثين العرب بشكل عام، باستثناء حالات فردية.
ويشير تقرير التنمية البشرية الى التدهور الواضح في صناعة السينما وفي حركة الترجمة، وفي اصدار الكتب في كافة المجالات.
السبب الرئيس الثالث للتخلف العربي هو نقص مشاركة المرأة، اذ لا يمكن ان يتقدم مجتمع اذا كان نصفه معطلا ومهملا، ولا يملك الفرصة لابراز ما لديه من قدرات ومواهب. ويوضح التقرير ان نسبة الامية بين النساء ارتفعت لثلاثة امثال ما كانت عليه منذ ثلاثين عاما، وان معدل مشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية والاقتصادية هي الادنى بين كافة دول العالم.
ويؤكد التقرير انه بشكل عام تعاني المرأة العربية، بدرجات مختلفة، من عدم المساواة في شتى نواحي الحياة. وحسب مقاييس برنامج الامم المتحدة للتنمية فان وضع المرأة العربية هو الاسوأ في العالم باستثناء منطقة جنوب الصحراء الكبرى في افريقيا.
ولعل اكثر ما يدل على سوء وضع المرأة ان الباحثين العرب انفسهم لم يتمكنوا من جمع معلومات سوى عن 14 دولة عربية من بين 22 دولة نتيجة للقيود الشديدة على هذا الموضوع.
وبقى عامل آخر يرتبط بغياب الحرية ونقص مشاركة المرأة، وهو التفسيرات المغلوطة للاسلام.
ان احد المقالات الواردة بالتقرير تبرز دعوة الاسلام للعدالة والمساواة والتسامح، غير ان اكثر الباحثين يرون ان التفسيرات الفقهية التي تحرم المرأة من حقوقها السياسية والاجتماعية هي احد الاسباب الرئيسية التي تؤدي لاستمرار تخلف العرب. كما ان تقييد حرية البحث والنشر بسبب ضغوط جماعات سياسية او دينية لا يمكن ان ينتج ابداعا او تقدما. وكما قال باحث سوري فان دور الفكر في العالم العربي "هو مجرد الشرح والتفسير لا البحث والتساؤل".
بقى ان نشير لجانبين هامين في هذا التقرير: اولهما رفضه تحجج الحكومات العربية بالصراع مع اسرائيل كسبب لما تعانيه من فشل وتخلف. ولا يقبل الباحثون العرب ان يكون وراء فشل المجتمعات العربية مجرد عوامل خارجية دون التركيز على اسباب الفشل الداخلية.
اما الجانب الثاني فهو حرص هذا التقرير على عدم الاشارة لحالات دول عربية فردية، بل الاشارة للوضع العربي العام. وهو ما يحقق ميزة النظرة الشاملة لحال العرب، لكنه ايضا ينطوي على عيب تجاهل الفروق الكبيرة بين المجتمعات العربية في بعض الامور. فعلى سبيل المثال الفارق كبير بين اوضاع المرأة في تونس او لبنان واوضاعها في السعودية.
ان الصورة العامة للمجتمعات العربية مؤسفة ومقلقة، ولا تستدعي كلاما حماسيا عن تاريخ العرب المجيد بقدر ما تدعو لخطوات علمية لتجاوز ما نعيشه من فشل وتخلف.
محمود القصاص - صحفي وباحث مقيم في لندن