أية مساءلة في العراق وأية عدالة؟

من حيث المبدأ فإن الطائفي، أي طائفي لا يمكنه أن يكون عادلا في مساءلة الآخرين، ممن لا يشاركونه أفكاره وتوجهاته وأفعاله وتطلعاته الطائفية. ذلك لأنه لا يملك معيارا منصفا يجعله قادرا على رؤية اولئك الآخرين مثلما هم، على حقيقتهم، في سياق تاريخهم.

فالطائفي لا يرى العالم بعيني الإنسان النزيه، بل بعيني ذلك الكائن الذي صاره بعد أن امتلأ صدره ورأسه بالخوف والارتياب والشك في كل ما يقع خارج الدائرة القطيعية التي يقيم فيها. وهي دائرة ضيقة تكون بالنسبة له هي العالم الوحيد الممكن. وهو ما يعني بالضرورة أن كل ما يقع خارج تلك الدائرة ليس من العالم.

فهل يصلح كائن معبئ بالعدوانية مثل الطائفي أن يكون قيما على الآخرين؟

في التجربة السياسية العراقية المعاصرة هناك الكثير من الوقائع ذات الدلالة تمكننا من التعرف إلى مآلات النزعة الطائفية من جهة ما تشكله من خطر لا على كرامة وحرية الإنسان حسب، بل وأيضا على سلامة وجوده وقدرته على البقاء ضمن الجنس البشري.

قد يقال إن تلك التجربة قد تأسست مشتبكة بمشروع الاحتلال الأميركي، وهو مشروع لا يقيم وزنا لإنسانية العراقيين. وبسبب ذلك الاشتباك يمكن لتلك التجربة أن لا تكون اختراعا عراقيا خالصا. وهو قول كان من من الممكن أن يشكل قاعدة لإلتباس يحول بيينا وبين القبض على الحقيقة التي يضيع أثرها بين قوى كثيرة، لولا أن الاميركيين ممثلين برئيس سلطة الاحتلال بول بريمر كانوا قد أقروا علانية، من غير أن يكذبهم أحد من الطاقم السياسي الحاكم في بغداد أن نظام المحاصصة الطائفية كان واحدا من أهم فقرات برنامج المعارضة العراقية السابقة.

كما أن قانون اجتثاث البعث الذي وقعه بريمر بنفسه كان مطلبا عراقيا خالصا.

وكما قال بريمر ذات مرة وهو يظهر أسفه إن ذلك القانون في نصه الأصلي لم يكن ليلحق الضرر إلا بقلة من العراقيين.

لم يفت بريمر يومها أن يُلقي باللائمة على الطائفيين الشيعة الذين اتخذوا من ذلك القانون مناسبة للانتقام الطائفي. دليله في ذلك مستلهم من الواقع، حيث لم يشمل ذلك

القانون إلا قلة نادرة وغير مرئية من البعثيين الشيعة فيما لم يستثن أحد من البعثيين السنة من ظلمه.

وكما صار معروفا فإن التهميش والاقصاء والعزل والقمع والحرمان والاعتقال والقتل وسواها من الممارسات التي تمت في سياق تطبيق ذلك القانون، قد أدت إلى شعور شريحة مهمة من المجتمع العراقي بالظلم المقصود لذاته. فالسني من وجهة نظر الفئات الحاكمة هو بعثي والبعثي هو ارهابي وهو ما يعني أن السني كان مشمولا بالقانون سيء الصيت أربعة ارهاب.

الآن بعد أن شهد العراق بسبب سياسات نوري المالكي الطائفية واحدة من أكبر الكوارث في العصر الحديث يحاول شيعة الحكم في العراق أن يسوقوا القانون نفسه تحت مسمى جديد هو "المساءلة والعدالة". في محاولة منهم لإضفاء مسحة حضارية على قانون تفوح منه رائحة الطائفية العفنة.

فعن أية عدالة يتحدث الطائفيون الذين تركوا جزءا مهما من الشعب العراقي طوال أكثر من عشر سنوات نهبا للخوف والهلع والرعب؟

لقد كان واضحا أن تنظيم داعش الاجرامي ما كان في إمكانه أن يستولي على ثلث أراضي العراق لولا تواطؤ نظام نوري المالكي الطائفي معه.

عن أية مساءلة يتحدث الطائفيون وقد اعترف أحد قادتهم وهو صولاغ المشهور بتعذيب السجناء بالمثقاب الكهربائي أنه التقى ذات مرة إمرأة معتقلة منذ ست سنوات من غير أن يكون في ملفها سوى ورقة واحدة لا تؤهلها للذهاب إلى المحكمة.

لن تكون هناك مساءلة ولا عدالة في العراق.

علاج المرض العراقي يكمن في مساءلة دولية، ليس لدى العالم الآن متسع من الوقت للإلتفات إلى عدالتها.