قلق خليجي على مصير المدنيين في الموصل

أثمر الضغط الإماراتي والخليجي على حكومة السيد حيدر العبادي أخيرا. فقد تم رفع حظر التجول فعلا في العاصمة بغداد، مما أثار الكثير من مشاعر الإرتياح لدى الأحياء السنية ببغداد. فالحظر الذي استمر لسنوات طويلة، كان بالأساس ضدهم. إضافة إلى أن المضايقات الحكومية بحواجز التفتيش، قد خفت كثيرا في الأحياء السنية، وهناك منع فعلي اليوم للميليشيات الشيعية المسلحة، من التجول بهذه الأحياء. هذه التطورات الإيجابية أثارت مؤخراً الكثير من المشاعر الطيبة والإحساس بالأمان.

من جهة أخرى نرى أن الدعم الإماراتي للأردن في العمليات العسكرية الأخيرة، هو لتركيز الأهداف ضد المتطرفين حصرا، بعيدا عن الأحياء السكنية بمدينة الرقة. فالإمارات لا تريد أن يكون الثأر للطيار الأردني، مئات الأطفال السوريين المحترقين بالصواريخ.

المبالغة بالخطاب الثأري قد يؤدي إلى نسيان القضايا العربية الأساسية. خصوصا وأن عددا كبيرا من الشعب الأردني، هم أساسا فلسطينيون طردتهم إسرائيل من أرضهم وليس الدولة الإسلامية. لا يريد العرب الذهاب بعيدا، إلى معادلة تقول بأن قضية معاذ الكساسبة ستكون مقابل القدس وفلسطين.

المشكلة أن تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي يتصرف بمكر شديد، فهو لا يعلن مقتل الأطفال السوريين بالقصف الجوي، بل يعلن مقتل عاملة الإغاثة الأميركية كيالا مولر 26 عاما المحتجزة في مدينة الرقة بضربات جوية اردنية. فيحظى مقتل الفتاة الأميركية بتغطية إعلامية واهتمام كبير، بينما لا يحظى الإعلان عن مقتل مئة طفل سوري بأي اهتمام. وكأن العالم يستجيب لأفكار تنظيم الدولة الإرهابي في أن حياة المسلمين لا تساوي شيئا لدى العالم الغربي. الدواعش مجرمون ماكرون يمارسون نوعا غريبا من المرح تحت الصواريخ.

أعتقد بأن القلق الإماراتي الأساسي اليوم، يتركز حول عملية اجتياح الموصل. فالموصل مدينة كبيرة يقطنها مليون ونصف إنسان. لا يغيب عن القيادات الخليجية، منظر أب لثلاثة أطفال بالموصل الآن، يجلس في باحة البيت ويفكر بمليون مسلح من الميليشيات والجيش والبيشمرگه، يستعدون للهجوم على المدينة بغطاء جوي أميركي.

لقد خرجت داعش من كوباني بعد أن تحولت إلى رماد، ثم عادت إليها مؤخراً، غير أنها كانت خالية من السكان، بينما الموصل مأهولة بشعب محاصر من جميع الجهات. أين ستسقط القنابل؟ وكيف ستكون حرب الشوارع فيها؟

إنهم من الآن يبالغون بوجود سبايا ومقابر جماعية لليزيديين، هذا مجرد تمهيد لحقيقة ما سيفعلونه بالموصل، سبايا ومقابر جماعية. هناك مؤشرات غير مطمئنة مثل قطع رأس رجلين من عشيرة الجابري على يد الميليشيات في الأنبار قبل يومين، لمجرد أنهما يقودان سيارة بلوحة أرقام سعودية، وكذلك مجزرة المقدادية التي راح ضحيتها أكثر من سبعين شخص، إضافة إلى نشاط غامض لميليشيات يزيدية قامت بذبح أطفال مسلمين في القرى العربية، وسبي ثلاثين مسلمة عربية إلى جبل سنجار. لقد تكتمت القبائل على هذه الفضيحة بسبب العادات والتقاليد.

إذا سقطت الموصل على يد الميليشيات، سوف تتشيع المدينة التاريخية بالكامل. الهزيمة ستكون دينية، وليس سياسية فقط. وإذا سقطت الفلوجة ستتشيع الأنبار أيضا. إيران لا تريد مصالح سياسية، بل نشر عقيدة، وقد تمكنوا من نشر التشيع في قبائل نجد الباسلة التي استوطنت جنوب العراق من قبل، مثل بني أسد وغيرهم، فما هي صعوبة الموصل والأنبار بالنسبة لإيران؟

ستتحول المساجد إلى حسينيات، وسيصبح المذهب السني مذهب المجرمين والإرهابيين. سيخرج الناس من هذا المذهب أفواجا بعد الهزيمة. خصوصا إذا سمحت الدول العربية للميليشيات باجتياح المدن، وسبي النساء، لن يكون هناك أي سبب للإعتزاز بالعروبة والإسلام، وسيصبح تقبيل يد المرجع الإيراني هو الخلاص الوحيد.

تبديل العقائد، سيفرض القتل بالجملة والقسوة المفرطة. الخوف والصدمة سيجعل السنة يفقدون عقيدتهم، ولن تكون هناك حماية لهم، لأن صبغة الإرهاب ستختلط بصبغة الله.

بعد التخلص من الدواعش، سيتخلص الإيرانيون من مطالب السنة العرب في العراق، كما تتخلص إسرائيل من أناشيد الأردنيين المزعجة عن القدس وفلسطين. ينشغل الجميع بملاحقة أتباع الزرقاوي والبغدادي لسنين طويلة وتنتهي المشكلة.

لهذا نطمح بأن يستمر الضغط السعودي والإماراتي لحصر الحرب بالقضاء على المسلحين الإرهابيين فقط، دون السكان المدنيين. فكما أثمر هذا الضغط مؤخراً بفك الحصار عن سنة بغداد، ربما ينجح أيضا بإنقاذ الموصل من كارثة بشرية حقيقية.

لقد نجحت إيران من قبل، بإعدام صدام حسين إعداما طائفيا، الأمر الذي مزق الوحدة الوطنية العراقية. الأمل اليوم، هو ألا ينجحوا بإعدام البغدادي إعداما طائفيا.