الوعد القطري والثقة الناقصة

لم يعد في إمكان الدول الخليجية أن تخفي قلقها من أن تكون قطر غير جادة في الوفاء بوعدها الذي قطعته من أجل عودة العلاقات الخليجية إلى طبيعتها.

فما فعلته قطر في ذلك المجال لا يتعدى الكلام الحيي، في حين ظلت الأفعال التي أدت إلى وقوع القطيعة السابقة على حالها، وإن اتخذت طابعا أكثر سرية.

وما يعرفه الخليجيون، بعضهم عن البعض الآخر هو أكبر بكثير مما يعرفه العالم الخارجي عنهم، وهم الذين يميلون الى التروي والصبر والبطء في اصدار الأحكام القاطعة والكرم في توفير الفرص التي تؤدي إلى الاصلاح.

لذلك فان الغضبة السعودية، الاماراتية، البحرينية التي أعقبها سحب السفراء من الدوحة لم تقع إلا بعد زمن طويل، كان مكتظا بمحاولات استيعاب واحتواء الموقف القطري ومن ثم حث قطر على التراجع عن الدور الضار الذي كانت تلعبه من خلال دعمها لجماعة الاخوان المسلمين التي ثبت تورطها في السعي لزعزعة الاستقرار في المنطقة. وهو ما حاولت قطر الالتفاف عليه من غير جدوى.

كانت الفضيحة مدوية، في ظل صمت قطري مريب، تبعه نفي بدا انشائيا، لا يرقى إلى مستوى حقائق الاثبات الدامغة. وهو ما كان على القطريين أن يتفادوا الوقوع في حبائله، تعبيرا عن حقيقة معرفتهم بنوايا اشقائهم الصادقة والحريصة على وحدة البيت الخليجي.

اما حين ظهر لهم أن الاشقاء كانوا جادين في اجراءات القطيعة فإنهم سعوا الى استرضائهم عن طريق وعود، كان من شأن الوفاء بها أن يزيح أسباب القطيعة وينقي العلاقات التي أفسدها تمادي قطر في سلوكها الخارج حتى على الاعراف الدبلوماسية التي تحكم علاقات الدول، بعضها بالبعض الآخر، فكيف به وقد وقع بين دول هي أقرب إلى وحدة المصير منها إلى اختلاف المصالح.

وكما يبدو من الهواجس الخليجية التي هي ليست مجرد تكهنات فإن القطريين لم يتعاملوا بالحد الادنى من الحرص على أن يطووا صفحة الماضي ويغيروا من نهجهم الضار الذي سبق أن دفع بإشقائهم الى الاستياء والغضب.

ألا تملك قطر القدرة على تغيير نهجها لأسباب تقع خارج ارادتها؟

هل هي مجبرة على لعب ذلك الدور الذي لا يتناسب أولا مع حجمها الجغرافي الصغير وثانيا مع مستوى تأثيرها المتواضع في القرار السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي؟

يمكنني القول هنا إن قطر، حتى وإن كانت مجبرة، وهو امر افتراضي بحت هي مسؤولة عن الموقع التي انتهت إليه من جهة قبولها بالدخول في متاهة دعم وايواء وتمويل جماعة ارهابية والترويج اعلاميا لها.

كان الحفاظ على أمن مصر واستقرارها حاضرا في الاجندة الخليجية التي قدمت بشكل واضح إلى قطر، تأكيدا لمبدأي المكاشفة والشفافية.

وهو ما يعني أن الموضوع يتخطى الامن الخليجي إلى الأمن القومي العربي.

فمصر التي اقتلعت جرثومة الجماعة الظلامية تستحق من وجهة نظر خليجية أن يُحمى ظهرها من التآمر الآخواني. لذلك كان الاتفاق الخليجي مع قطر والذي رعته المملكة العربية السعودية بشخص ملكها الراحل ينص في احدى فقراته على تجنيب مصر خطر ذلك التآمر الذي بدا واضحا أن جماعة الأخوان تخطط من خلاله إلى اشاعة الرعب في قلوب المصريين الذين جرعوهم سم هزيمة تاريخية، لن يكون لهم بعدها وجود.

كل هذا كان واضحا في العرض الخليجي الكريم الذي قُدم إلى قطر مقابل أن تستعيد مكانها الطبيعي بين شقيقاتها. وهو عرض لم يكن تعجيزيا.

ومع ذلك فإن قطر بدت عاجزة عن تنفيذ بنود ذلك العرض.

فهل كان ذلك العجز مطلوبا لذاته من أجل تمرير الوقت اختبارا لقوة الارادة الخليجية وتمييعا لقرار اتخذه الخليجيون، تم بموجبه نبذ جماعة الاخوان واعتبارها جماعة ارهابية؟