سيمسون 'تخرفن' في أفغانستان ونقل هامش الخبر من العراق


الخبر الصحفي لا يملكه صبي في سجن عراقي ياسيد جون!

يمثل العراق سواء كان في الخبر أو تداعياته مرضا صحفيا بامتياز في وسائل إعلام غربية تقدم خطابها لمُستقبل تبدو الصورة لديه غير كاملة الملامح.

وتحت مسوغ إيضاح هذه الصورة أكثر من الاهتمام بنقل الحقيقة تتنازل وسائل إعلام كبرى عن حساسيتها العالية، كما يحدث غالبا في “بي بي سي” الهيئة التي ترفع شعار المسؤولية العالية في صناعة الخبر.

"بي بي سي" معرضة للمساءلة من قبل جمهورها بطريقة لا تنطبق على أي مؤسسة إعلامية أخرى لأنها ببساطة ممولة من قبل ذلك الجمهور، فكل منزل بريطاني لديه جهاز تلفزيون يدفع ضريبة سنوية للهيئة، الأمر الذي يجعلها تستمع وترد على استياء المشاهدين من معالجتها الإخبارية أو في متابعتها للحدث المحلي. ويبدو أن هيئة الإذاعة البريطانية تتنازل كثيرا عن قيمها عندما يتعلق الأمر بشأن لا يهم كثيرا جمهورها البريطاني بطريقة أو بأخرى.

العراق مثلا يمثل بامتياز القاعدة الصحفية القائلة “الأخبار السيئة هي أخبار جيدة” فلا شيء في هذا البلد الذي يتصدر قائمة أكثر البلدان فسادا في العالم يمكن ألاّ يستقطب الحساسية الصحفية، فكل الأحداث تتصاعد بسوء وتضع أمام الصحفي فرصة صناعة قصة إخبارية ملفتة أمام الرأي العام، وهي في كل الأحوال قصص تنزع القناع عن أكاذيب السياسيين ورجال الدين، وتلك مهمة صحفية تحمل ثقة مضافة للجمهور في وسائل الإعلام.

إلا أن المرض الصحفي الذي لا تظهر أعراضه يكاد يظهر على جون سيمسون كبير مراسلي “بي بي سي” عندما يتعلق الأمر بالقصص الإخبارية التي يصنعها بالعراق.

فبينما كان القتل الطائفي لأحزاب إيران في العراق يتصاعد أهملت عدسة سيمسون الحدث تماما، وقادته بوصلته الصحفية إلى أحد السجون في بغداد ليقدمه لنا أشبه بمقهى ملون الجدران ويسرد قصة صبي دامع العينين ندما على انتمائه إلى داعش، ويخرج بقصة خبرية مسنودة بتصريح وحيد على لسان حال حكومة المنطقة الخضراء عن اقتراب تحرير الموصل من داعش، وينتهي بمشهد عراقيين سعداء يرقصون في الشوارع!

تصدرت قصة كبير المراسلين الذي جاب 120 بلدا، عن العراق نشرة العاشرة مساء الإخبارية هذا الأسبوع، وأخذت مساحة متميزة في الموقع الإخباري بصفتها الحدث الأهم، بينما هي وفق قيم الأخبار المعلنة في هيئة الإذاعة البريطانية لا ترقى إلى أن تكون هامشا لهامش الحدث في بلد تتقاتل فيه الميليشيات تحت نفس الشعار الديني، فراية داعش السوداء أو علم الميليشيات الأخضر، يحملان نفس صيغة المتاجرة باسم الله، وهذا ما لا يريد أن يقدمه مراسل بمواصفات متقدمة مثل جون سيمسون للجمهور البريطاني.

جون سيمسون بخبرته العالية يدرك أن الخبر الصحفي لا يملكه صبي في سجن عراقي، ولا حتى تصريح الحكومة حول تحرير الموصل، بل في ما يحدث حقا في التقاتل من أجل المصالح بين الميليشيات وداعش، وستمارس عدسته دور الممثل الجاد بهيئة كوميدية ساخرة من وعي الجمهور عندما لا تأتي بالخبر من مصدره، لأن مثل هذا المراسل يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن ثمة حقائق تدين وسائل الإعلام الكبرى يصنعها “المواطن الصحفي” بعدسة هاتفه.

إلا أنه من سوء حظ العراقيين، أن سيمسون لم يأتِ بذلك مكررا سقوطه في هوة أخبار العراق بعد أن قضى أكثر من سنة في هذه البلاد منذ احتلالها عام 2003.

يعترف كبير مراسلي “بي بي سي” بأن معظم العراقيين الذين تحدث إليهم متشائمون للغاية، إلا أنه يصر بالقول “يبدو مستقبل العراق، بالنسبة إلى أي شخص في الخارج، أكثر إشراقا، وذلك إذا سمح لهذا الشعب بأن يحظى بقليل من السلام”. لكن يا سيد جون كم فعلت أنت بصفتك “صانع رأي” ما يجعل هذا الشعب يحظى بالسلام؟

يبدو من المفيد لهذا المراسل الذي خبر العمل الصحفي العودة إلى ما كتبه جيمس كوران وجين سيتون في كتابهما الخطير “السلطة دون مسؤولية: الصحافة والإذاعة في بريطانيا”، ومع ذلك نشك بأنه سيتخلص من الصور والذكريات المزعجة كلما نظر إلى الوراء وتذكر دوره الإعلامي في العراق.

هل سيشعر بالخجل هذا المراسل اللامع عندما يتذكر كيف وقف بثقة مبالغ فيها عام 2001 في أفغانستان وقال متحدثا باسم “بي بي سي “لقد حررنا كابول”! عندها وصفته صحيفة الغارديان بالمتخرفن!