السنة لديهم ما يحزنهم أكثر من تحطيم الدواعش للتماثيل

أعادت الحكومة العراقية السبت افتتاح المتحف الوطني في بغداد، بعد نحو 12 عاما من تعرضه للنهب بعيد الاجتياح الاميركي في العام 2003، أفقده نحو 15 الف قطعة اثرية، ولا توجد إدانة رسمية واحدة، أو تحقيق متعلق بالنهب المنظم للمتحف الوطني بعد الإحتلال مباشرة. كل ما جرى أن بعض الدول أعادت إلى العراق بعض تلك الآثار المهربة والمباعة بشكل غير قانوني. فجأة صارت الحكومة العراقية مهتمة بالآثار، وحضارة ما بين النهرين، وتفتح المتحف الوطني مرة أخرى للزائرين.

لقد أفاق العالم قبل يومين على فلم صادم يظهر فيه الدواعش وهم يحطمون التماثيل الأثرية بمتحف نينوى. كانت الحجة المعلنة بأنها أصنام ورموز لآلهة وعبادات قديمة لا يجوز شرعا الاحتفاظ أو الاتجار بها. هذا الموضوع أثار جدلا واسعا حول خطورة الدواعش على مستقبل العراق وهويته الحضارية. ورغم أن كل من موقع مصراوي وصحيفة الأهرام قد ذكر بأن ''داعش'' قد أحرق 4 شباب رفضوا تدمير متحف الموصل، إلا أن الخبر يبدو غير صحيح وهناك في الحقيقة لا مبالاة غريبة بهذه الجريمة الثقافية في الموصل.

لقد اكتشف الألمان والهولنديون بحفرياتهم في الميسوبوتوميا (ما بين النهرين) حضارات قديمة، وفككوا رموزها ولغاتها، ولم نكن نعرف عنها شيئا قبل ذلك، كما لا يوجد ذكر لتفاصيلها في التراث العربي الإسلامي. أي أنها تراث بائد، ومنقطع ولا تأثير لها في ذاكرتنا العربية الحية اليوم. فالمتنبي والجاحظ لا يعرفون شيئا عن هذه الكنوز، وعلاقتنا بها تشبه علاقة الهندي والبريطاني، فهي لا تخصنا وحدنا بل تخص الذاكرة العامة للبشرية.

المشهور في تاريخ العراق هو الصراع الثقافي مع الشعوبيين، وقد استثمروا قضية الآثار والحضارات القديمة أبشع استثمار ثقافي وسياسي ضد العرب السنة تحديدا. معظم الباحثين العراقيين في التاريخ القديم يحملون مشاعر العداء للإسلام، ويعتقدون بأن هجرة العرب إلى العراق بدينهم البربري هو السبب بتخلف العراق، وتوقف الدفق الحضاري والعمراني. وهكذا ظهرت كتب أدبية وسياسية تمجد الأقليات، والشعوبية، والديانات القديمة وتحتقر العرب. بل يقولون بأن عبادة القبور واللطم والطقوس الشيعية هي الوريث الشرعي اليوم للطقوس السومرية والبابلية العظيمة التي تؤنسن الإله.

وعلى العكس من مصر التي استثمرت التراث الفرعوني لأغراض اقتصادية وسياحية، كان العراق غير مهتم بالسياحة والإقتصاد بمقدار اهتمامه بتوظيف الثقافات القديمة والآثار في معركة داخلية، هي بقايا الصراع بين العرب والشعوبيين.

الرئيس صدام حسين في جنون العظمة، شجع هذا التوجه فهو مرة عربي حفيد النبي محمد، ومرة أخرى حفيد نبوخذ نصر، وقد كان عند الرفاق البعثيين فكرة أن العراقيين مشروع شعب، وليس شعبا مكتملا فهم كما قال طارق عزيز "لملوم". لهذا فإن فكرة تمجيد التاريخ العراقي القديم يمكن أن تكون عاملا من عوامل الإنتماء الوطني، وتوحيد الشعب العراقي. غير أن ذلك كله تم توظيفه في النهاية من قبل الشعوبيين لمهاجمة الإسلام السني تحديدا والعرب عموما.

ثم أن الرئيس صدام حسين لم يمت كسومري أو بابلي، بل تم إعدامه إعداما شيعيا حاملا القرآن بيده ومرددا الشهادتين كمسلم عربي. ولم تبكه الأقليات رغم عنايته الكبيرة بهم، بل بكاه السنة والعرب حول العالم. واليوم في صالة استقبال ضيوف جميلة، يلتف حبل الاعدام حول تمثال لصدام حسين بمنزل السيد موفق الربيعي. ولطالما سمح الربيعي بالتقاط صور مع الحبل والتمثال لضيوفه العراقيين والايرانيين خاصة. ونقلت مصادر عن الربيعي نفسه أن سعر الحبل بلغ في العروض المقدمة حتى الآن 7 ملايين دولار، وهو غير مقتنع بالسعر.

لا يشعر السنة العرب بأهمية كبيرة للآثار اليوم، لأن أهميتها كانت مرتبطة بالشعور الوطني القديم قبل تفكك الدولة العراقية على يد الأميركان والإيرانيين. إضافة إلى أن هدم الأحياء الإسلامية والمساجد السنية القديمة بالبراميل المتفجرة وغيرها في حلب، وحمص، وحماة، والفلوجة، وبغداد على مرأى ومسمع من العالم، جعل من خبر تحطيم متحف نينوى لا يأخذ الوقع المتوقع عند أهل الموصل خصوصا. فاليهود مثلا، يحفرون تحت المسجد الأقصى بحثا عن هيكل سليمان، ولو كان المسجد الأقصى تحت الهيكل لما حفروا ولا اكترثوا.

صرح النائب السابق طه اللهيبي مؤخراً، بأن الميليشيات قبل سنوات قد أخذت خمسة شباب كانوا حرسا لمسجد في الغزالية واغتصبتهم. وعندما قابل المالكي وجه مدير مكتبه السيد أبو مجاهد لمتابعة الموضوع، وإذا يتصل به أبو مجاهد ويقول "أتينا بواحد منهم ويقول تحرشوا بي فقط" فكان رد اللهيبي عليه أن اتقوا الله، لقد أخذتوهم صغارا لم يبلغوا حتى 17 سنة، وإلى الآن لم يخرجوا. ويشهد اللهيبي بأن النائب الدكتور حارث العبيدي قُتِلَ عندما سجل بالصوت والصورة لمعتقلات من السنة يتكلمن كيف يغتصبهن عراقيون وإيرانيون في أحد طوابق وزارة الداخلية في 2005.

أمام شهادة صادمة كهذه، يبدو الإحتجاج على موقف السلفيين من التماثيل ترفا لا مكان له في وجدان السنة العرب هذه الأيام.