حوثيون في بغداد: وداعاً للعروبة

يزعم بعض العراقيين أن العرب يوم تخلوا عنهم دفعوا بهم إلى الحضن الايراني. وهي فرية لا تستقيم مع وقائع التاريخ.

في حقيقتهم فإن العرب لم يكونوا في حجم التحدي الذي مثلته كارثة احتلال العراق. لذلك فإن السؤال الذي سيكون عليهم أن يجيبوا عليه في المستقبل لا يتعلق بظهورهم التي أداروها للعراق بل بأيديهم التي مدوها من أجل أن يصل المعارضون العراقيون السابقون إلى الحكم بعد انهيار الدولة العراقية بسبب الغزو.

أعلينا أن نكون سذجاً فنصدق إن العرب لم يدركوا يومها أن النتائج كلها ستدعم النفوذ الايراني في العراق؟

لقد تبين في ما بعد أن المشروع الاميركي في العراق في الجزء الأكبر منه كان ايرانياً. وهو ما لم يكن يزعج الادارة الاميركية إلا في حدود ضيقة. ذلك لأن الهيمنة الايرانية على العراق سستبقي البلد تحت السيطرة لعشرات السنين.

ما خسره العرب في العراق كان مخططا له وقد ساهموا فيه.

يصح ذلك على اليمن. ذلك لأن العرب لم يشعروا بالخطر إلا بعد أن تحول الحراك الحوثي إلى جزء من المشروع ايراني في المنطقة. وكما في العراق فإن ايران تستعمل الكذبة الطائفية للتغطية على حقيقة مشروعها السياسي.

وهي الكذبة التي يعمل أتباع ايران من العرب في العالم العربي على تطبيعها سعيا وراء احلال الولاء الطائفي المفرق محل الهوية القومية الجامعة.

وإلا ما الذي يفعله وفد المتمردين الحوثيين اليوم في بغداد؟

لم يحضر الحوثيون إلى بغداد بإعتبارهم عربا. هناك هوية أخرى تجمعهم بمن يستقبلهم في العاصمة التي يقال أنها باتت مهددة بالغزو الداعشي.

دعائيا ومن أجل الاستمرار في حملة التضليل فإن "شيعة اليمن" وقد استقر بهم تمردهم باعتبارهم غزاة يتداولون أمورهم مع أخوتهم "شيعة العراق" الذين فشلوا عبر عقد من الزمن في بناء دولة، بل تشظى العراق في حقبتهم وصارت أجزاؤه، يحارب بعضها البعض الآخر.

ولكن الصفة الطائفية هنا مجرد قناع مؤقت، سبق لطهران أن ازاحته غير مرة حين أعلنت أن أذرعها صارت تمتد من العراق إلى اليمن. وهو ما يعني أن ذراعين ايرانيين تلتقيان اليوم في بغداد.

وهو ما يؤكد أن الزعامات السياسية في العراق لم تجد مانعاً من اعلان عدائها للعرب في الوقت الذي صار الحوثيون يشكلون تهديداً مباشراً للأمن العربي.

ولكن هل من مصلحة العراق في وقته الحالي العصيب بالذات أن يسقط في هذا الفخ الذي سيزيد من عزلته عربياً؟

كما يبدو فإن مشروع رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في الانفتاح على المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي قد أجهض مثل مشاريعه الأخرى في محاربة الفساد والحد من نفوذ الميليشيات والمصالحة الوطنية.

ليس حدثاً طبيعياً أن يكون الحوثيون في بغداد.

فالحوثيون بعد كل ما فعلوه ببلادهم وشعبهم قد تحولوا إلى عصابة خارجة على القانون وفقدوا حقهم في المطالبة بالشراكة السياسية. لذلك فإن أية جهة تستقبلهم انما تغامر في التورط في جرائمهم وخيانتهم.

وإذا ما كان سياسيو العراق قد أعلنوا عن تحفظهم ازاء عاصفة الحزم فقد كان عليهم أن يلتزموا بذلك الموقف المتحفظ لا أن ينزلقوا إلى موقع يكونون فيه شركاء في الجريمة.

أما كان في إمكانهم أن يدرأوا الشبهات ليبقوا الباب الذي يطلون من خلاله على العالم العربي مواربا كما كان دائماً؟

أعتقد أن تقديرات امراء الحرب الطائفية وفي مقدمتهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لا تضع في حسابها مستقبل عراق عربي موحد، بقدر ما تميل إلى استثمار كل فرصة من أجل الاعلان عن انتسابها للمشروع السياسي الايراني، كما يفعل حسن نصر الله تماما.

بالزيارة الحوثية قطع سياسيو العراق شوطاً مهماً في محو هوية العراق العربية. العراق هو الخاسر.