انقسام رفاق البعث العراقي إلى شيعة وسنة

السيد عزة الدوري إذا امتدح الدولة الإسلامية تهيج الكوادر البعثية الشيعية ضده، وإذا امتدح السيد مقتدى الصدر تهيج الكوادر البعثية السنية ضده. فبسبب كلمته الأخيرة التي امتدح فيها السيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم يبدو أن الحزب قد انقسم إلى بعث سني وبعث شيعي.

لقد تمرد الجناح السني وصدر بيان قوي باسم قيادة قواعد البعث جاء فيه "لقد اصبحت قيادة البعث الحالية كشركة تجارية صاحبة رأس مال ضخم" وفيها تلميح إلى سيطرة البعثيين الشيعة على موارد الحزب وقراراته.

البعثيون يقولون ليس الأمر هكذا، ولكن سيطرة الدولة الإسلامية على المناطق السنية، واعتقال قيادات الحزب في الموصل خلق حالة عدم توازن، ومالت الكفة بطبيعة الحال الى القياديين الشيعة. ورفض البعثيون الشيعة هذه الإتهامات الموجهة ضدهم، فليس ذنبهم أن رفاقهم السنة الذين يكنون لهم الإحترام قد اعتقلتهم الدولة الإسلامية.

الوضع العراقي اليوم في غاية التعقيد والبعث جزء من هذه الحالة العراقية الغامضة. فقبل ثلاثة أيام من سقوط الرمادي مثلا صرح السيد مسعود البارزاني بأن "تنظيم داعش اصبح مقصوم الظهر" بسبب هجمات البشمركه خلال السنة الماضية. وبعد كل تأكيدات التحالف الدولي ضد التنظيم بأنه أصبح في حالة دفاع وعاجز عن القيام بهجمات، أفاق العالم على التنظيم وهو يبسط سلطانه على بيجي والرمادي ومدينة تدمر.

هذه الصدمة أدت بالناس إلى حالة فصام مع الإعلام، ولم يعد الناس يتابعون الأخبار، ولا يهتمون بوجهات نظر القادة الأميركان في الشأن العراقي. حالة صدمة وعدم احترام لجميع الإعلاميين والمحللين العرب والأجانب عند الناس اليوم.

وهي حالة عالمية، فهذا أنتوني كوردسمان في مركز الدراسات الدولية يقول: بأن هناك ضغوطات على المحللين والصحفيين الأميركيين في هذه الحرب مشابهة لتلك التي حدثت في حرب ڤيتنام. وانتقد كوردسمان انعدام الرغبة لدى الإعلام الغربي بكشف طبيعة الانقسام الحاد في العراق بين السنة والشيعة.

أما في العالم العربي فيبدو أن الوضع الاعلامي في نكوص مستمر، لأن المطلوب أن يكتب الصفويون في إعلامهم بحرية عن وجدانهم وشعورهم وعقائدهم ومشاريعهم، ويتمتعوا بتلقائيتهم العاطفية والرمزية بلا خوف. بينما المطلوب من السنة بالمقابل الكتابة ضد الشعور التلقائي، وأن يكون كلامهم ضد وجدانهم. لا يمكن كبح الدمعة والكلمة والفرحة والصرخة والتعاطف. التاريخ نفسه يعلمنا بأن هذا غير ممكن.

البعثيون العراقيون لن يستطيعوا تقديم الكثير من المساعدة ضد داعش، لأن بعضهم يقول بأن ما يجري من كوارث هو انتصار لفلسفة ميشيل عفلق. الرجل قال بأن القومية الغربية "معادية للدين" لأن المسيحية وافدة عليهم وليست أصيلة في الغرب، بينما الإسلام روح العرب وينبوع قيمهم ومصدر لغتهم وإلهامهم.

وهذا الدفع العنيف من قبل الصفويين ضد الإسلام العربي ورموزه في العراق منذ الاحتلال 2003 قد فجر الدولة الإسلامية المتطرفة، التي تنطق بخطاب أممي متشدد، وبروح عربية شئنا أم أبينا. وهذا التطرف الحاد، هو بسبب اختبار الفرس للعرب في وجدانهم.

الأستاذ ميشيل عفلق كان محقاً حين قال إن على الحداثة أن تكون توافقية مع روح الإسلام والعروبة، فالأمة مجبولة هويتها ولغتها بالإسلام، وإذا تم التحرش بشكل جدي بهذه القيم تنفجر الأمة كلغم.

تنظيم القاعدة كان مجرد تفجير هنا وهناك ثم الفرار، إلا أنه حين وصل الى العراقيين فرضوا شخصيتهم عليه وطبعوه بطابعهم. خصوصا بعد دخول الضباط البعثيين في تنظيم داعش المتطرف. الضابط البعثي ليس صبياً، ولا يقتنع بقضية التخطيط لتفجير والهرب بعد ذلك الى الكهوف والجبال.

هؤلاء كانوا بالأمس القريب رجال دولة ونفوذ وشرعية، أمر طبيعي أن يؤدي ارتباطهم بالقاعدة الى نوع من التغيير العنيف وتحويلها إلى مشروع دولة. الضابط البعثي علمه البعث على شيء يسميه ميشيل عفلق "التفوق النفسي" وهو التصور الفوقي على الدنيا والناس باستمرار.

كل ما هنالك أن فقهاء القاعدة أقنعوا الضباط البعثيين بأن "البعث" للأمة يكون بالاسلام وليس بالقومية، وهكذا تم دمج البعث بالقاعدة فكرياً وفلسفياً.

للأمانة هناك ضباط عراقيون رحبوا بوجهة نظري، وهناك آخرون اتصلوا بي ورفضوا فكرة تأثرهم بأفكار البعث وانزعجوا من هذا التفسير، وأضع هنا رسالة للأمانة:

أستاذ أسعد البصري إن الضابط "البعثي" لم يكن يوما بعثي العقيدة أبدا، ولم يعلمه البعث أو ميشيل عفلق "التفوق النفسي" ولكن مواد العلوم العسكرية، وفن الحرب والتأريخ العسكري وعلم النفس ودروس القيادة المستندة جميعها إلى مناهج بريطانية، هي التي كانت المصدر الرئيسي للإلهام والإنضباط. عندما تقرأ أن الجنرال ويفل يقول إن "الخوف يكتسح العقول الفارغة" لا يسعك إلا أن تسعى جاهدا لضخ العلم في عقلك، وعندما تقرأ أن نابليون يقول "المعركة تربح في صدور الرجال أولاً" ليس بيد الضابط غير أن يعمل بجد على البناء النفسي لشخصيته وألمعيته. سيدي الكريم: خدمت 21 سنة ضابطاً في الجيش العراقي، ولم أتعلم من البعث حرفاً أو موقفاً، لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، بل تعلمت من تجارب كتبها رجالها بالدماء في مختلف اﻷصقاع. إن المؤسسة العسكرية ورثت تقاليد بريطانية وعثمانية ساهمت في تعزيز البناء النفسي للضباط، ولم تنجح محاولات البعث في تغيير هذه التقاليد.

أبلغ القارئ الكريم بأنني عراقي أيضاً، ولم أتخلص من تأثير الأناشيد والأفكار البعثية تماماً بسبب الإعلام ومناهج التعليم، رغم أنني كنت مجرد شخص مدني بسيط، ولم تكن عندي أية صفة حزبية، فكيف بتأثير خطاب الدولة على الضابط؟

المهم هنا وبعد اعتقال بعض قيادات البعث في الموصل، وبعد انضمام ضباط البعث للدولة الإسلامية، يبدو الحزب في حالة انقسام طائفي حاد، أدى إلى تناقض شديد، وتذبذب في خطابات أمينه العام السيد عزة الدوري.

الضباط البعثيون التحقوا بالدولة الإسلامية لأنها تحقق طموحاتهم الكبيرة بخوض معارك وممارسة السلطان، فالأمر بالنهاية كما قال خالد بن الوليد "الناس تكثر بالنصر، وتقل بالهزيمة" وهؤلاء الضباط يعلمون ذلك.

البعث العراقي اليوم بلا ضباط، فضباطه اليوم إما في الدولة الإسلامية أو في الحشد الشيعي، هذه هي الحقيقة.