داعش... حصان طروادة الإيراني

لا خلاف على أن إيران تمتلك خططا توسعية فارسية منذ سنوات طويلة، وكانت هذه الخطط السبب المباشر الذي يقف وراء وكلاء إيران المنتشرين في مناطق شتى من العالم العربي، من لبنان إلى اليمن. ومع ظهور تنظيم داعش وجدت إيران في هذا التنظيم فرصة ذهبية لتحقيق تطلعاتها وطموحاتها التوسعية بشكل مباشر ومن دون مواربة، حيث بات التدخل الإيراني في دول مثل العراق واضحا وامام مرأى ومسمع من العالم أجمع، بل بات يحظى بترحيب ضمني من دول كبرى كالولايات المتحدة.

منذ أيام قلائل اعلن قائد القوات البرية بالجيش الايراني أن تنظيم داعش موجود في أفغانستان وباكستان وليس في العراق وسوريا فقط، وأن على إيران تعزيز قواتها بالعتاد والسلاح لمواجهة خطر التنظيم. وفي ضوء ذلك تمت زيادة الميزانية العسكرية الايرانية للسنة الفارسية الحالية (آذار/مارس 2015 - آذار/مارس 2016) بأكثر من 30 بالمئة لتبلغ نحو عشرة مليارات دولار، بالاضافة إلى نحو 1.2 مليار دولار أخرى من احد الصناديق السيادية الايرانية.

هناك جانب من الحقيقة في كلام المسؤول الايرانيين وهو أن تنظيم داعش أعلن عن تواجده بالفعل في باكستان منتصف مايو الجاري حين تبنى اول اعتداء له في هذا البلد وأسفر عن مقتل نحو 40 شخصا من الأقلية الشيعية في باكستان. أما المسكوت عنه دوليا، فهو أن إيران تستغل تمدد تنظيم داعش لتوسيع نفوذها دول الجوار بشكل غير مسبوق، وخاصة في الدول التي تعاني الفوضى وغياب سيطرة الدولة مثل سوريا واليمن والعراق، حيث تشير تقارير غربية إلى أن حجم التمويل الايراني لميلشيات شيعية تعمل في هذا الدول قد بلغ نحو 8 مليارات دولار سنويا، بالاضافة إلى مساعدات مالية قدمتها طهران إلى نظام الأسد منذ عام 2011 تقدر بنحو ستة مليارات دولار.

حزب الله اللبناني الذي بلغ تعداد عناصره نحو 25 ألف فرد، يبتلع سنويا من الخزانة الايرانية نحو ملياري دولار، بينما تقوم إيران بالانفاق على تسليح وإعاشة نحو 70 ألف فرد هم تقريبا تعداد ما يعرف بالحشد الشيعي! وإيران لا تنفق الأموال عبثا على الميلشيات والتنظيمات، فهي تدرك أنها بصدد لحظة تاريخية فارقة في الشرق الأوسط، حيث تصب التحركات والخطط الدولية كافة في اتجاه الدفع نحو سيناريوهات التقسيم والتفكيك، والوقائع والأحداث الدائرة في العراق وسوريا تشير إلى أن أحد محاور الصراع الدائر هناك يتمحور حول حدود الدويلات الطائفية والعرقية المزمعة، والتي قررت بعض الأطراف رسمها بالدماء.

تنظيم داعش يلعب في هذا الصراع أدواراً مشبوهة، وأخرى مفخخة. فهو يلعب لمصلحة قوى كبرى قامت بتفريخ هذا التنظيم في مختبراتها الأمنية وأطلقته كي يتمدد ليحقق احد أبرز خطط الفوضى الخلاقة، ويحقق التنظيم أهداف على مستويات عدة بعضها يتعلق بالسعي إلى إعادة هندسة المنطقة جيوسياسياً، وتوجيه فائض القوى لدى التنظيمات المتطرفة نحو بعضها البعض كي تلتهم نار الصراعات المذهبية والطائفية هذا الفائض الذي كان يوجه من قبل ضد دول كبرى ويهدد مصالحها، وها هو قد بات أحد ادوات تحقق هذه المصالح بشكل مباشر وغير مباشر.

ليس من المنطقي أن يستسلم العقل لفكرة عجز الولايات المتحدة عن الحد من تمدد تنظيم داعش عسكريا على الأرض في العراق عل الأقل، وهي التي أكد رئيسها باراك أوباما منذ أشهر أن مقاتلو التنظيم هم مجرد "ارهابيين هواة" ولا يرتقون إلى خطورة تنظيم القاعدة! فهل تعجز القوات الاميركية عن ردع هؤلاء الهواة! أغلب الظن أنهم ليسوا هواة ولا يتحركون من فراغ خططي واستراتيجي فهم ليسوا بالمئات بل إن هناك تقديرات معتبرة تتحدث عن أن عدد عناصر التنظيم المقاتلة تبلغ نحو ثلاثون ألف شخص، وبالتالي فالأرجح أن الولايات المتحدة تكتفي بالتظاهر بمقاتلة داعش الذي لا يزال يؤدي دوراً يصب في سلة المصالح الأميركية حتى وإن لم يكن يتلقى تعليمات مباشرة من واشنطن.

يدرك الكثيرون في الدول العربية أن ما يحدث من حولنا ليس سوى فخ طائفي وعرقي ومذهبي، وأن على ما تبقى من دول عربية أن تتفادى السقوط في فخ الإحتراب الداخلي تحت شعارات ثورية أو احتجاجية أو ما غير ذلك من لافتات استخدمت بشكل حقيقي ووظفت تماما للزج بدول المنطقة في أتون الفوضى والاحتراب الداخلي، ثم التفتت والتقسيم لاحقا وفقا لخرائط الهندسة الجيوسياسية الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط.

داعش إذاً هو أداة لكثيرين منهم قوى كبرى، وقد ادركت إيران ذلك بوضوح منذ فترة ولجأت إلى استخدام هذا التنظيم في تحقيق أهدافها التوسعية بما يوفره لها من غطاء براق للتدخل في دول الجوار، بل وإحراج الدول الاقليمية وابتزازها في صراعات النفوذ الدائرة. ومن ثم يمكن فهم استراتيجية إيران القائمة على جعل داعش بمنزلة حصان طروادة لتحويل نفوذ طهران في دول عدة إلى واقع مقبول لدى المجتمع الدولي، وبحيث تتم مراعاة هذا الواقع عند الجلوس على مائدة تقاسم الأدوار والنفوذ ورسم الحدود الجغرافية الجديدة.

كل ما سبق لا يعني انعدام وجود صراع حقيقي بين إيران وتنظيم داعش، حتى لا يقول أحدهم أنني أدعي أن ما يحدث على ارض الواقع في العراق وسوريا هو "تمثيلية"، فما يدور هناك هو صراع مذهبي دام وحقيقي، ولكن إيران اتخذت منه ستاراً لتحقيق أهداف توسعية ربما كان مجرد الحديث عنها او طرحها منذ سنوات مضت مسألة محفوفة بالأشواك والصعوبات.

ما أريد قوله أن على العرب فهم حقيقة ما يدور، وعم الانسياق وراء مغالطات داعش أو إيران، فالمذهبية هي ظاهر الصراع وليست باطنه، وكلاهما يسعى إلى مكاسب وأهداف سياسية ويحقق أهداف توسعية استعمارية لا علاقة لها بمصالح الشعوب.