الإعلام العراقي يستحق الشفقة لا التهكم

يا للمشقة التي يعيشها الإعلامي العراقي في زمن اللاواقعية أو الواقعية السياسية والدينية الرثة، ليس ذنبه أنه يعيش تحت وطأة الرثاثة اليوم، هكذا وضعه قدره، لكن النكبة أن يكون الصحفي العراقي جزءا من الخطاب السائد وتصبح الرؤية لديه أحادية في تقبّل الواقع السياسي والاجتماعي والتكيف معه بإرادة غائبة.

وبعدها سيكون لديه الابتكار وصناعة الأفكار الإعلامية خاضعا للمتداول والشائع، لأنه وفق كل الأحوال يرى الصورة بنفس العين التي يراها السياسي ورجل الدين بصفته سياسيا مقدسا في عراق اليوم. مما جعل من الصحفي العراقي جزءا من الرأي السائد وليس صانعا له.

ومن البساطة بمكان اليوم، أن ينظر الصحفيون العراقيون بامتياز لزميل لهم يحاور رجل دين مثلا بصفته الشفيع المنقذ أو يطلق أسئلته على سياسي يدرك مسبقا أنه يكذب في إجابته، وسبب ذلك ليس لعجز أصيب به الصحفيون في الزمن الشاذ من التاريخ الذي يعيشونه، بل لأنهم وجدوا أنفسهم جزءا من ثقافة الجماهير وليسوا من يصنعون خطابهم.

وهذا لا يعني أن الإعلامي العراقي مفتقد للإقدام والجرأة، إنه يقدم على المجازفة ويتحرك في المواقع الساخنة، لكنه عندما يلتقي الجنود والنَّاس يسألهم أول ما يسألهم عن رسالتهم إلى المرجعية!

وعندما يقنع نفسه أنه شاهد محايد يتحرك لإيصال صورة عما يحدث في بلاده، لا يستطيع رغم حياده المعلن أمام نفسه أن يرى الميليشيات كمعادل طائفي لخطاب داعش المسكون بقرون الظلام.

لذلك تلتبس لديه الرؤية، ولن تكون من الوضوح بالقدر الذي يمكنه أن يرى المشهد مثلما يراه الصحفي المحصن بلا دوافع وتأثيرات ضاغطة.

صناعة المحتوى المتميز صارت بالنسبة له، في أن يكون ذاك المحتوى جزءا من الخطاب السياسي والديني السائد في العراق، لذلك تبدو له الأسبقية في تواجده بين حشود الجماهير المليونية وهي تمضي حافية منهكة إلى المراقد الدينية، بدلا من أن يحلل التخلف الكامن في فعل تلك الجماهير.

وليس مستغربا أن نجد صحفيا قضى خمسين عاما متنقلا في شتى صنوف وسائل الإعلام، وامتلك تجربة صحفية متميزة، لكنه مع ذلك عندما يكتب اليوم نلمس ببساطة تأثيرات الخطاب الإيراني الشائع في العراق على آرائه، يكتب وكأنه صدى لما يحدث حوله من التباس وتداخل وليس كمحلل موضوعي.

الإعلامي العراقي يكاد يجسد بامتياز تحت وطأة انصهاره في الخليط الفوضوي الشعبي تعريف غوستاف لوبون لسيكولوجية الجماهير بصفته جزءا منها وليس مراقبا لها.

فإذا كانت التقاليد تمثل الأفكار والحاجيات والعواطف الخاصة بالماضي فهي وفق لوبون تمثل خلاصة العرق، أو ما يمثل الطائفة في العراق اليوم التي تسيطر بكل ثقلها على الجماهير.

لذلك ليس مستغربا أيضا أن يخصص الإعلام العراقي الحكومي وما يسمى بالمستقل مساحات واسعة للخرافة التاريخية بوصفها حدثا معاصرا ومهما لصناعة المادة الإخبارية.

سنكون متفائلين بمستقبل الإعلام العراقي إن وجدنا نسبة ضئيلة ترفض مثلا اعتبار الزيارات المليونية للعتبات الدينية مادة صحفية يمكن الاهتمام بها، إلا إذا كان عرضها كصورة واقعية من التخلف المتصاعد في البلاد أو مهرجان خارج عن العادة من أجل لا شيء أو من أجل فكرة تاريخية مُختلف عليها، لكن حتى هذه النسبة غير موجودة للأسف، وإن وجدت فهي تقدم نفسها كمعادل طائفي لا يقل تخلفا، لأن رفضها للزيارات المليونية من أجل البديل الطائفي المقابل الكامن في خطابها.

وهكذا أصبح الصحفي جزءا من الجماهير وليس شاهدا على تخلفها، فقد أسهم الإعلام العراقي خلال إثني عشر عاما من الرثاثة في تقديم شعائر التخلف من الانتحاب والعويل وشق الرؤوس على أنها محتوى إعلامي متميز، بعد أن ساد الشعور بأن مثل هذه السلوكيات الدينية العتيقة قد اختفت بحكم التطور الحضاري، كما قدم الإعلام رجال الدين بصفتهم سياسيين شهودا وصانعين للمشهد وليس متطفلين عليه.

وأسهم الإعلام العراقي تحت وطأة الانصهار باللاواقعية والقبول بالوضع القائم بصفته الخيار الذي لا بديل له، في إعادة التخلف ليس كشاهد على المساحات المريبة بل كجزء فاعل في مثل هذا التخلف.

الصحفيون العراقيون في الواقع ينصاعون لوجهة نظرهم الخاصة في كل ما يحدث اليوم، لأنهم جزء من جماهير تعتقد أنها تطبق ميثاق الشرف والدفاع عن الطائفة والملة والعقيدة عن طريق قطع الرؤوس وحرق الأحياء، في غياب خطير للوطنية.

عندما يتساءل لوبون عما إذا ينبغي علينا أن نأسف لأن العقل لا يقود الجماهير، لكن الأسف يحمل صورة أخرى عندما يكون الإعلام في العراق جزءا وليس شاهدا على جماهير لا يقودها العقل بل الخرافة.

الإعلام في العراق اليوم لا يستحق التهكم والنقد والتوجيه، بل أكثر ما يستحق الشفقة مثل الشفقة على جيل عراقي صار عمله تقبيل أقدام الزائرين للمراقد الدينية.