تزييف داعش وخيانة التاريخ

قليلة هي المعلومات المؤكدة عن داعش. لا لانه تنظيم سري، بل لأنه صار معلنا أكثر مما يجب، بحيث صار المرء يشك في حقيقة ما هو متداول من أخبار ووقائع، غالبا ما تصل عن طريق الواقع الافتراضي بما يمنع القدرة على التاكد من مصادرها، أو معرفة صلة تلك المصادر بالتنظيم الارهابي.

كان خطاب الخليفة واحدة من اللحظات النادرة التي كان التنظيم من خلالها قد سمح برؤيته مجسدا. حدث ذلك بعد أن احتلت الموصل وكانت تلك الواقعة أكبر من الخيال الاسطوري الذي عادة ما تستمد منه أفكار ورؤى التظيمات الدينية المتشددة قوتها في الانفصال عن الواقع ومن ثم تصور تفوقها عليه.

لا يجدي القول إن أجهزة المخابرات حول العالم تتبارى في ما بينها على جمع المعلومات الوافية عن ذلك التنظيم الذي صار عنوانا للارهاب في عصرنا، بل أن البعض صار يعتبره خلاصة لكل ما عرفته البشرية من الارهاب وعنه.

فالمخابرات لا تضع معلوماتها في خدمة اعداء التنظيم دائما.

وقد يكون لافتا أن تكون الدول المتضررة من نشاط داعش هي أكثر الجهات جهلا به. فما الذي يعرفه العراقيون على سبيل المثال وهم الذين سبيت مدنهم وشردت الملايين منهم وصارت الحرب على داعش ذريعة لاحتلال ايراني قد يستمر طويلا عن ذلك التنظيم غير ما يقوله الآخرون عنه؟

وإذا كانت انتصارات داعش قد وقعت بسبب ضعف الانظمة السياسية وهزالها وتردي أوضاع المجتمعات فإن هزائم التنظيم وهي محدودة وأحيانا غير مرئية لم تقع لأن خصومه في ساحات القتال قد تمكنوا من رصد حركته ومن ثم الاجهاز على قطعاته وتحرير الارض من رجسه.

هزائم التنظيم كانت تقع لإن التنظيم نفسه كان يقرر الانسحاب من أرض المعركة لعلمه المسبق بعدم تكافؤ طرفي المعادلة، بما يجعل كفة الطرف الآخر أكثر ثقلا من كفته. لذلك فإن خسائرة في المعارك التي هزم فيها لم تكن معروفة.

يخرج مقاتلو التنظيم من المعركة التي يخسرونها كما لو أنهم أشباح. لا اثر يدل عليهم ولا اشارة في إمكانها أن تفك لغزهم.

قد يكون داعش مجرد كذبة، ولكن تأويل تلك الكذبة عن طريق ملاحقة أوهامها من شأنه أن يبني عالما كاذبا، ربما يكون أكثر خطرا من الكذبة الاصلية. وهو ما يجري اليوم، إذ يحل وهم داعش محل حقيقته في أذهان الكثيرين من خلال ما تبثه وسائل الدعاية التابعة لخصوم داعش في خضم الحرب النفسية التي يشنها أولئك الخصوم.

الخطير في الامر أن ما سيبقى من داعش سيكون بعيدا عن حقيقته. ما سيبقى هو ما أخترعته اجهزة الدعاية من صورة لداعش، قد لا تكون صادقة. يومها يكون داعش مجرد منتج اعلامي.

في تلك الحالة يكون التضليل قد بلغ أعلى مستوياته، وهو ما يجعلنا لا نثق بتاريخنا الذي صار يُكتب بناء على ما نتوهمه لا على ما نعرفه. الامر الذي يضع على وجه التاريخ قناعا هزليا يبتعد به عن موقع العبرة والدرس. لن يكون التاريخ إلا كتابا يتصفحه البسطاء لكي يجدوا فيه عزاءهم وتسليتهم.

لا يهمني هنا أمر داعش المفترى عليه بقدر ما تهمني خرافته التي ستنشأ من خلال مرويات شعبية لا تستند إلى معلومات صلبة، تعبر عن حقيقة الزمن القاسي الذي صنعه ذلك التنظيم وصعد من خلاله.

لقد كُتب جزء عظيم من تاريخنا بالطريقة نفسها. فكان أن حلت المرويات محل الحقائق لتؤلف تاريخا ملفقا، لا يمكن أن يكون نافعا في معرفة ما حدث فعلا.

قبل داعش مرت فرق وجماعات ارهابية عديدة وقد لا يكون داعش الفرقة الارهابية الأخيرة التي تمر بالعالم العربي، غير أن التغاضي عن معرفة الحقائق التي يستند إليها ظهور تلك الفرق جعل المجتمعات عاجزة عن معالجة تلك الظاهرة من أجل منع تكرر ولادتها.

سيكون لنا دائما موعد مع داعش جديد.