مَن لا يكره انتصارات داعش

هل صار علينا أن نفكر في أن سياسيي العراق كانوا يفضلون أن ينتصر داعش على جيوشهم التي لم تكن ذات قيمة بدلا من أن تنتصر تلك الجيوش؟

في العراق كما في سوريا كان وجود داعش ضرورة. ولكن لمَن؟

المعارضة السورية لا غنى لها عن داعش كما ان الحكومة العراقية يمكنها أن تدفع الرشى إن اضطرت من أجل استمرار داعش في احتلال ثلث مساحة العراق.

ذلك كلام غريب ولكن الوقائع صارت تؤكده.

داعش المتبنى ضمنيا من قبل وسائل الاعلام والدعاية العالمية قام بما هو مطلوب منه في الحرب السورية، فهو كان الاسوأ دائما، وهو نموذج لما يجب أن نكون عليه في ظل ضعف الارادة الوطنية والجهل الديني وصعود الطائفية.

داعش مسكوت عنه سورياً وإن اضطر البعض إلى ذمه فإنه لا يحرمه من كونه فصيلا من الفصائل المسلحة الذي أدى نشاطه القتالي إلى اضعاف سلطة النظام الذي تسعى قوى المعارضة إلى اسقاطه.

لداعش سلطة على الأرض ومكانة اعتبارية في عقول العلمانيين.

اما في العراق فقد كان ظهور داعش المفاجئ ذريعة لاستمرار حرب العزل والتهميش والحرمان التي شرعت بها حكومة نوري المالكي منذسنوات من أجل الضغط على سكان المناطق ذات الغالبية السنية من أجل دفعهم إلى اعتماد خيار العنف المسلح بدلا من الاعتصامات السلمية انتصارا لحقوقهم المدنية المسلوبة.

بالنسبة لحكومة بغداد الطائفية فإن داعش هو الحل المثالي المريح. فعن طريقه تنصلت تلك الحكومة من التزاماتها القانونية ولم تعد مسؤولة عما يُمكن أن يلحق بمواطنيها من ضرر بسبب احتلال داعش لأراضيهم وتحكمه برقابهم.

نعمة ظهور داعش اسدلت الستار مثلا على ملف الفساد في العراق، فلم يعد أحد يتساءل عن مصير ثروات العراق الضائعة فيما يعاني البلد من تدهور هائل في الخدمات اضافة إلى انتشار الفقر والبطالة والامية واستفحال ظاهرة الرشوة في مختلف مفاصل الدولة.

أخرس ظهور داعش الاصوات القليلة التي كانت تنادي بإنهاء تغول الميليشيات في المحافظات ذات الغالبية الشيعية. بفضل داعش تم تكريس وجود تلك الميليشيات باعتبارها السد الذي يمنع داعش من تحقيق ماثرته في ذبح الشيعة من خلال تمدده إلى مناطقهم التي تعيش وضعا رثا.

وهكذا فقد تم استثمار انتصارات داعش بعيدا عما تركز عليه وسائل الاعلام.

لقد قدم داعش خدمات كبيرة لجهات تبدو ظاهريا وكانها تقف في مواقع متناحرة. فتركيا استفادت من داعش مثلما استفادت ايران. المعارضة السورية التي انحسر نشاطها القتالي على الارض صارت توظف انتصارات داعش لتقوية موقفها المنهار. كذلك عمل تنظيم داعش على تقوية موقف بغداد حين دمر البنية التحتية للقوى الرافضة لسياسات العزل الطائفي في المناطق ذات الغالبية السنية.

مَن لايكره انتصارات داعش إذن.

يُقال إن داعش تقف عند أبواب بغداد. التنظيم الارهابي نفسه كان ولا يزال يقف عند أبواب دمشق. صورة مكررة ومستعادة من وقوف المغول على أبواب المدينتين. سقطت يومها بغداد ولم تسقط دمشق.

فهل سيكرر التاريخ نفسه وإن بطريقة هزيلة هذه المرة؟ فداعش لا يمكن تشبيه شراذمه بجيوش هولاكو وحفيده تيمورلنك. غير أن طروادة لا تحب الغزل كثيرا. هناك الكثير من الدم الذي أستبيح. هناك اكثير من الكرامة المهدورة. هناك الكثير من الخراب الذي حل والذي لم يحل بعد من أجل أن يكون انتصار داعش مقنعا للجميع بإعتباره انجازا تاريخيا لقوة لا تقهر.

لداعش أجندته بالتأكيد ولكن ظهوره خدم أجندات جهات كثيرة في المنطقة.