اعادة تأهيل

يحتاج النظام السياسي العربي إلى اعادة تأهيل.

كل الزلازل التي كان العالم العربي قد تعرض لها عبر ربع قرن من الزمن لم تكن نافعة في بث الروح فيه. نظام ميت لا يجيد سوى اعادة انتاج مقولاته القديمة منتظرا لحظة انقراضه.

حتى ردود الافعال التي كانت العنوان الوحيد لقدرته على أثبات كونه لا يزال حيا صارت ضعيفة مع الوقت، بحيث لم يعد أحد في العالم ليكترث بها. الامر الذي دفعه إلى أن يلجأ إلى موقع المتفرج على ما يجري في ملعبه من غير أن يجرؤ على أن يعلن عن نفسه لاعبا إلا إذا طلب الآخرون منه ذلك.

لا دور للنظام السياسي العربي في الحياة السياسية العربية.

كل المشكلات العربية جرى تدويلها، فصار المجتمع الدولي ينظر بطريقة جادة إلى دوري تركيا وايران في حل تلك المشكلات، فيما يقف سياسيو العرب خارج الحلبة في انتظار نهاية اللعبة.

لم يعد السياسي العربي معنيا بما يجري من حوله من وقائع لا يمكن أن تعالج إلا عن طريق السياسة. ولكن السياسة في العالم العربي ابتعدت عن مفهومها المكرس عالميا، فصار السعي إلى امتيازات السلطة وممارسة السلطة في اطار ما تتيحه من استعلاء وانغلاق وفوقية هما طرفي المعنى الذي انتهى إليه مفهوم السياسة عربيا.

لذلك تكاد المسافة بين أهل الحكم وأهل المعارضة لا تُرى. الطرفان يتنافسان على تكريس عزلة السياسي عن المجتمع من خلال سعي كل طرف منهما إلى تجريد الطرف الآخر من امكانية الوصول إلى السلطة.

حتى الديمقراطية التي لم يعهدها العرب في سالف أيامهم صار التعبير عنها يأتي مصحوبا باللعب، فصار السياسيون يتلذذون بمضغ لعابهم وهم يتحدثون عن غرامهم باللعبة الديمقراطية وعن ثقتهم بما يمكن أن ينتج عن صناديق الاقتراع، وهم يعرفون جيدا أن ما من شيء يمكنه أن يقف حائلا دون تزوير تلك النتائج، بما أنها قد ارتبطت بقدرة كل طرف على أن يلعب جيدا.

لقد أمنوا المساءلة في السياسة فلمَ لا يأمنوها في الديمقراطية، وقد أسُندت إليهم نزاهة، هي في الحقيقة أشبه بالتهمة التي صاروا ينفرون منها من خلال سلوكهم حين قبلوا بشرط أن يكونوا مجرد مسيري أحوال وليس صانعي أقدار.

منذ ازمة الكويت عام 1990 بدا النظام السياسي العربي عاجزا وبطريقة مخجلة عن مواجهة الأزمات المصيرية. كانت تلك الازمة بمثابة بوابة الجحيم التي انفتحت أمام العالم العربي، لا لإنها سمحت وبطريقة لا لبس فيها بالتدخل الاجنبي حسب بل وايضا لإنها أظهرت حالة النقص العظيم الذي ينطوي عليه النظام السياسي العربي في الخبرة والخيال والكفاءة والمعرفة ناهيك عن الشعور الوطني.

كان تدمير العراق فاتحة لخراب عربي لما تنتهي فصوله بعد.

ولا أظن أن خرابا بهذا الحجم يمكنه أن يكون ناموس حياة لو أن العالم العربي قد حظي بسياسيين من نوع مارغريت تاتشر وانجيلا ميركل ومهاتير محمد وجوليو اندريوتي واولف بالما. السياسة كما عرفناها كانت حقل تجارب يخلو من الشعور بالمسؤولية، لذلك فشلنا في ما نجح فيه الآخرون.

ظل السياسيون العرب طوال سنوات من الغليان والقلق والسخط يجربون نظرياتهم الشخصية علينا كما لو أننا فئران مختبرات وحين فشلت تجاربهم علقوا فشلهم برقابنا ولم يختف البعض منهم إلا مجبرا.

لقد صنعوا تاريخا من الاخفاق سنضطر إلى الزج به في عالم السياسة والسياسة بريئة منه بشكل مطلق.

في اجزاء كثيرة من العالم العربي يتربع أناس على مقاعد السلطة بإعتبارهم سياسيين ولكنهم في حقيقتهم يصلحون لأي شيء إلا السياسة، فهم لا يعرفون منها إلا نفاقها.