حصتنا من الكراهية

يُقال إن ايران لا تبغض العرب أكثر مما يبغض العرب أنفسهم. ولكن لمَ يبغض العرب أنفسهم؟ ما لا يمكن إنكاره أن الكراهية في العالم العربي وصلت اليوم إلى واحدة من أعلى ذراها. لقد نسف العنف الكثير من القواعد والأسس الاجتماعية المشتركة في العديد من الاماكن الملتهبة.

لاجئون ومشردون ونازحون ومتضررون ومقموعون وجائعون في كل مكان.

لم يعد التراضي المتوارث والتلقائي الذي كان ضابطا للعيش في الماضي موجودا.

لا أحد في إمكانه أن يراهن على المستقبل اليوم.

ولكن هل كانت تلك الكراهية مقموعة وانفجرت بعد اختفاء أنظمة القمع؟

الاجابة بالايجاب على سؤال من ذلك النوع تبدو مقبولة ومريحة للأطراف التي وجدت في الكراهية حاضنة لها. ولكن ما يجب أن لا نطمئن إليه هو ذلك الجري المحموم وراء فكرة تحميل الانظمة السابقة كل ما يحدث لنا في حاضرنا.

لا أحد من الحاضرين يميل إلى تحمل جزء من المسؤولية. المسؤولية كلها تم القاؤها على أكتاف الغائبين. أولئك المهزومون الذي لم يعد مسموحا لهم أن يقولوا كلمتهم، وإن قالوها فإنها تضم إلى سجل الحنين إلى السلطة.

ولكن الاحكام الجاهزة وهي جزء من الدعاية المضادة لا بد أن تجر معها سيلا من الاستنتاجات المعدة سلفا والتي يمكنها أن تشكل خيانة للحقيقة.

الكثير من حقائق السياسة في العالم العربي لابد من فهمها من غير النظر إلى ايران، كونها صارت طرفا في حوار العرب، بعضهم مع البعض الآخر. ليس المقصود هنا الدول بل يذهب الحديث إلى أحوال الشعوب، وهي أحوال وقع جزء كبير منها خطأ في المكان الخطأ.

ليست المشكلة في المغالاة الطائفية التي هي تقليد ديني عريق، بل تكمن المشكلة في محاولة تصدير تلك المغالاة وتعميمها، بإعتبارها الشكل الأكثر تعبيرا عن نجاح قيم الثورة الإسلامية في ايران.

وإذا ما عدنا إلى الواقع فإن العالم العربي لم يشهد انقساما على مستوى البنية الداخلية لمجتمعاته مثلما حدث بعد صعود نجم الخميني في ايران.

كانت تلك المجتمعات تعيش هناءة انسجامها من غير تمييز طائفي، لا لشيء إلا لأن البعد الطائفي لم يكن مهيمنا على الفكر السياسي السائد، إلا في حدود ما كانت تتداوله الاحزاب والجماعات الدينية التي البعض منها محظورا كجماعة الاخوان المسلمين في مصر والبعض الآخر كان محكوما على أفراده بالاعدام مثل حزب الدعوة الاسلامي في العراق.

كلا التنظيمين كانا يخططان لاسقاط أنظمة الحكم التي كانا يعتبرانها كافرة واقامة نظام اسلامي بديل. وهو ما كان ينسجم مع المشروع الايراني الهادف هو الآخر إلى اقامة انظمة دينية تكون تابعة لنظام ولاية الفقيه.

وإذا ما كانت الحرب العراقية ـ الايرانية بمثابة جرس انذار لاقتراب الخطر الايراني من الدول العربية فإن ايران كانت في الوقت نفسه تعمل على اقامة كيانات سياسية وعسكرية هي أكثر اخلاصا لما كان يسمى بخط الامام الخميني من الايرانيين أنفسهم مثلما هو حال حزب الله في لبنان.

قد يكون حزب الله نموذجا مثاليا للدهاء الايراني في اقامة وتكريس ومترسة الخطوط الفاصلة بين مكونات المجتمع على أساس طائفي. كان حزب الله الذي ظهر عام 1982 قد اخفى وجهه الحقيقي وراء قناع المقاومة الذي أضطر إلى أن ينزعه بعد أن صار رداء المقاومة رثا فقرر الحزب أن يستبدله برداء سياسي كان بمثابة اعلان عن تدخل ايراني سافر في الشؤون اللبنانية.

لقد شق حزب الله المجتمع اللبناني ووزع فئاته وشرائحه الاجتماعية بين ضفتي الكراهية، وهو ما لم تنجح حرب اهلية استمرت خمس عشرة سنة في تحقيقه.

اليوم اينما نتلفت فإننا نجد العديد من الحركات والتنظيمات السياسية التي ترفع لواء الدين في وجه المجتمعات تقتدي بحزب الله الذي لم يخف كونه واجهة ايرانية. وهو ما صارت تفعله تلك التنظيمات علنا.

حين نجحت ايران في اختراق العالم العربي فإنها كانت قد شقت طريقها إلى ذلك الهدف بقوة الكراهية الطائشة التي صارت تدمر أجزاء من المجتمع.