هل السعودية في خطر؟

من بين الخاطفين التسعة عشر لأربع طائرات أميركية في الهجوم على مركز التجارة العالمي بنيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 هناك 11 سعوديا، علما أن مؤسس القاعدة أسامة بن لادن ملياردير سعودي الجنسية.

وذلك التفجير المؤسف في حسينية الصادق بالكويت بواسطة انتحاري سعودي شاب هو فهد القباع، وقد ذهب ضحيته عشرات القتلى في صلاة الجمعة التاسع من رمضان الماضي، وتقول وزارة الداخلية الكويتية إن من بين المتورطين الـ 29 بمساعدة الانتحاري هناك 5 سعوديين، وأخيرا سمعنا نبأ مقتل الشاب المنشد السعودي القصيمي خالد مشعل أشهر منشدي الدواعش في الحسكة.

ما الذي يجري في السعودية؟ البارحة فقط قالت وزارة الداخلية السعودية، إن المملكة ألقت القبض على 431 شخصا يشتبه في انتمائهم لخلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وأحبطت هجمات على مساجد ورجال أمن وبعثة دبلوماسية. هذه حرب حقيقية خصوصا وأن الوزارة أعلنت عن استشهاد 37 من رجال الأمن والمواطنين اثناء عمليات الإعتقال.

يحق للسعودية القلق من المتطرفين الدواعش، هذا ارهاب خطر على الدولة والسلم الأهلي، ولكن الأمر مختلف بالنسبة لسنة العراق. فهؤلاء كانت الميليشيات الصفوية تطأ رؤوسهم في الطرقات ونساءهم في السجون السرية، وكانوا يعاملون -بعد عزهم القديم- معاملة الدواب والخدم والعبيد.

كان ضباط المالكي يُجلسون الرجال على الأرض في شوارع الموصل ثم يشتمونهم ويهددونهم بالتعذيب والسجون، وكانت السيطرات تذل الأب والأم وتتحرش بالفتيات. كانوا يداهمون البيوت فجراً ويسرقون الذهب والنقود، ويعتقلون صبيان الميسورين لإطلاق سراحهم مقابل آلاف الدولارات.

فجأة جاء هؤلاء الضحاكون من نجد لا يخافون أحدا على الإطلاق، بعقيدتهم الخطرة التي جعلت الموت عيداً من الأعياد. وكما يلقي عملاقٌ حجراً ضخماً في البحر، حملوا جيش المالكي الجرار وميليشياته الشرسة ومعداتها الثقيلة من الموصل، في ليلة صيف، وألقوا بهم خارج نينوى في حدث يشبه الأساطير والخيال، لكأنما "دمدمَ عليهم ربُّهم".

سنة العراق ليس عندهم سلم أهلي حتى يشكل الدواعش خطرا عليه، بل عاشوا في ذل وخوف من الميليشيات عشر سنوات، من هوان الى هوان. نتفهم قلق الدول المستقرة في العالم المتحضر من هؤلاء الإرهابيين ومعجزاتهم القتالية وجرأتهم، إلا أنه من الطبيعي أن تكون هناك وجهة نظر مختلفة بسبب اختلاف الظروف.

مصدر قوة الدولة الإسلامية هو أنها تضع يدها على الجرح النرجسي للمسلمين في المناطق الهشة. فسنة العراق قد يكون بعضهم أغنياء والبعض الآخر فقراء، إلا أن ما يجمعهم هو هوانهم عند أعدائهم. الضعف والذل والخوف وطائفية الدولة هو ما يجمع السنة في العراق وسوريا. خصوصا بعد الطريقة التي تمت بها محاكمة واعتقال وإعدام أقوى زعيم عربي مثل صدام حسين.

المتطرفون عبروا الى العراق وهم يقولون لن نبني شيئا، طالما الغرب يحتل بلداننا الصغيرة بسهولة، كل ما نبنيه سيدمرونه بعد حين كما حدث في العراق. لهذا بدؤوا بالتحدي وهذا برأيهم سيجلب النصرة والتمكين.

من ناحية عملية هم نجحوا بكسر محرم الحدود بين العراق وسوريا، كما نجحوا بهدم محرم اللغات والعرق والهويات، وهذا ليس سهلا ولا شك أنه مثير للقلق بكل تأكيد. الفرنسي المسؤول عن بلدية الموصل قام بإصلاح الكهرباء خلال 13 ساعة بعد قصف طائرات التحالف للأسلاك والمحولات.

لا يوجد أخطر من فكرة تصبح ممكنة، نحن أمام تحولات تاريخية غير مسبوقة بالعالم الإسلامي. أولا هناك عدد كبير من العراقيين لم يعودوا كالسابق يقدسون الوطن والحدود والعَلَم، وثانيا هناك آخرون لم يعودوا مبهورين بثقافة الرجل الأبيض والحياة الغربية. احتلال العراق سبَّبَ صدمة كبيرة وقضى على حالة الإنبهار بالأجنبي التي كنا نعانيها.

العراق من الملك فيصل الأول الهاشمي إلى السيستاني الفارسي، واحد حجازي نَصَّبَهُ الإنگليز والثاني فارسي نصَّبَهُ الأميركان، وبين الحجازي والفارسي حكم العراق خمسة رؤساء علمانيون بانقلابات عسكرية رعتها المخابرات الأجنبية.

أُعدم الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1963 ولم يُعْثَر على قبر له حتى اليوم، وأُعدم صدام حسين عام 2006 ونُبِشَ قبره من قِبَل الميليشيات عدة مرات. ومات الرئيس القومي عبدالسلام عارف عام 1966 بحادث طائرة مُدبّر. أخوه الرئيس عبدالرحمن عارف عاش في المنفى بعد خلعه بانقلاب 1968، والرئيس أحمد حسن البكر تخلى عن الرئاسة لصدام حسين، ومات بعدها مباشرة بظروف غامضة.

فأين هو هذا الوطن اللقيط الذي يصلح للإنتماء اليوم؟ وإذا كان من وجهة نظر الإنگليز الحجازي يصلح ملكا للعراق، فلماذا لا يصلح النجدي قائدا مقاتلا فيه، وإذا كان المواطن الإيراني السيستاني يصلح مرجعا مقدسا وحليفا للولايات المتحدة في شأن العراق ومصيره، فلماذا لا يصلح الشيشاني مشرعاً للجهاد فيه؟

لقد أصبح العراق بيتا لعبادة القبور والإضطهاد الديني وصور الخميني وخامنئي معلقة على جسوره وجدرانه، ثم كيف للسنة بسوريا والعراق مقاومة هذا القهر الطائفي؟ لا يوجد خيار سوى المقاومة السلفية الوهابية في الوقت الحاضر، ويبدو أن التاريخ قد ألقى بثقله خلف الحرب الدينية.

يحق للسعودية أن تقلق من هذا المشهد، فالسعودية لم تنجح خلال قرن كامل من الدعوة الوهابية في نشر التوحيد بالمنطقة الشرقية، واختارت طريق التسامح والتعدد المذهبي مع الشيعة، بينما لم تسمح بتعدد المذاهب السنية في الحجاز مثلا وفرضت الوهابية كمذهب رسمي للبلاد.

هذا جعل السعوديين في النهاية سلفيين في إسلامهم لكن الثروة النفطية تقع في ذلك المكان الذي تسكنه الأقلية الشيعية حيث أرامكو والأحساء. الأمر الذي جعل خيارات المملكة السياسية أكثر تعقيدا أمام الإستفزاز الصفوي الإيراني.

الدعاة الوهابيون ليس عندهم إجابة عن سبب نجاح الدعاة الشيعة في العراق، بينما فشلوا هم في المنطقة الشرقية خلال قرن كامل فشلاً ذريعاً. وبسبب مشروع إيران الإمبراطوري تحرك الشيعة بالمقابل لفرض المذهب الجعفري على العراق كله لولا ظهور الدولة الإسلامية الإرهابية المفاجئ.

الفارق اليوم بين المثقفين السعوديين والسنة العراقيين عميق جدا. فالمثقف السعودي متلهف للتجديد والتخفيف من أسلمة الدولة والتمتع بالحياة المعاصرة، بينما السني العراقي متلهف للإسلام. هناك اختلاف بالطور بينهما.

سنة العراق عاشوا ثقافة قومية ويسارية علمانية منذ الخمسينات وإسلامهم كله كان "اسلام عرب"، لهذا تبدو السلفية بالنسبة لسنة العراق مغامرة جديدة بعد ستة عقود من العلمانية وشرب العرق وحرية المرأة والإمام ميشيل عفلق، وكأنها دخول جديد إلى الإسلام. من جهة أخرى السلفية تجربة مملة ومقرفة بالنسبة لبعض السعوديين، كما نقرأ ونلاحظ في مقالاتهم. فالمثقف السعودي اليوم لا يحفى حتى برأي عالم الدين الوهابي المناهض للدواعش، لأنها في النهاية وجهة نظر تأتي من فقهاء يعتقدون بأن الشمس تدور حول الأرض وليس العكس "والشمس تجري لمستقرٍّ لها"، بينما نائب الإرهابي البغدادي السيد "العفري" هو في الحقيقة أستاذ في علوم الفيزياء الحديثة.

وبسبب الحرب الطائفية في العراق أصبحت المدن العراقية والسورية بيئة حاضنة للمتطرفين غير المرغوب بهم من النجديين، فالعراقيون لم يروا هكذا محاربين بتاريخهم على مر الحروب التي خاضوها، هذه هي الحقيقة. إنهم يدخلون الموصل بسيوفهم دخول الاسبارطيين المغامرين لأثينا المسالمة. والمخيف هو عسكرتهم للمدن وسيطرتهم على المدارس. إنهم ينقلون هذه الروح المستخفة بالموت والعاشقة للخطر إلى آلاف الناس من حولهم. حتى أنهم لا يخفون أهدافهم ولا يحملون أية أوهام حول سعيهم نحو الملك وتأسيس دولة جديدة، وفي مراسلاتهم على التواصل الاجتماعي يرددون أبيات امريء القيس:

"بكى صاحبي لَمّا رأى الدّربَ دونَهُ

وَأَيْقَنَ أَنّا لاحقانِ بقيصرا

فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنما

نُحاوِلٰ مُلْكاً أو نموتُ فَنُعْذَرا"

يمكن للسعودية القوية الراسخة اليوم اقتلاع الدولة الإسلامية من جذورها، وهزيمتها في حرب ضروس شاملة ولكن بأي ثمن؟ هذا هو السؤال. لابد من صفقة شاملة مع إيران حتى يمكن للسعودية القيام باقتلاع هذا النوع من المحاربين الذين لا مثيل لهم إلا في الحرس الوطني السعودي.