هل سيصلح العبادي ما افسدته العملية السياسية

"البحر من امامه، والنار من خلفه، وأخوة يوسف من حوله..."

***

كثرَ الحديث، في وسائل الأعلام المحلية والدولية، عن التظاهرات العراقية، المصحوبة بموجات من الغليان الجماهيري الممتد على مدى خارطة الوطن المكبل بالوجع والقهر، وكثرَ الحديث الملغوم بعلامات الاستفهام الغامضة، عن إصلاحات العبادي، وقرارات العبادي، وثورة العبادي. ولعل من ابرز الأسئلة التي فجرها الشارع العراقي، هو: هل سيصلح العبادي ما افسدتهُ العملية السياسية، أم أن ما يسمى بحزمة الإصلاحات التي أطلقها بصوتٍ خجول، بعدما أرغمتهُ وأحرجتهُ الجماهير الغاضبة، لا تعدو اكثر من قصورٍ من وهم؟

انا اقول...

لا تحرجوا الرجل، فاللعبة السياسية في العراق ليست بالأمر الهين كما يتوهم البعض، السياسة في العراق كما اشرنا وقلنا مرارا وتكرارا، بأنها للأسف الشديد لعبة المصالح الذاتية وليس لعبة المصالح الوطنية.

الرجل العبادي، لا يملك القرار السياسي الكامل الذي يؤهله لمقاتلة ومقاومة جيوش الأصدقاء الأعداء.

علاوة على ذلك، "البحر من امامه، والنار من خلفه، وأخوة يوسف من حوله.."

لا تنسوا او تتناسوا، فالرجل خرج من رحم حزب الدعوة، وحزب الدعوة هو العباءة الشرعية له، وهو احد اقطاب العملية السياسية في العراق، والعبادي يعتبر ثالث رئيس وزراء "ولد من رحم حزب الدعوة"، وهم اسياد الملعب حالياً.

لو كان العبادي يملك النية الخالصة لإصلاح البلاد لفعلها قبل ان ينتفض العراقيون، وقبل ان يندد الشعب العراقي بالحكومة الفاشلة، ولو ان العبادي كان يملك النية الخالصة، لأقصى جموع اللصوص من الفاسدين والمجرمين والأنتهازيين والمزورين وسارقي المال العام، المتفيئين في ظلال الوزارات والمؤسسات الحكومية، والمنتشرين كما البعوض في كل مكان من ارض العراق، بما فيه مكتب سيادته "رئيس مجلس الوزراء"، ولأقصى ذلك الكم الهائل من المستشارين الأميين الذين يجلسون من حوله، يتهامسون، يتشاورون، يتآمرون، يتغامزون، يتلامزون، ويمتصون حليب البقرة الطازج، والذين لا يعرفون من السياسة إلا قشورها ومن الوطن إلا حروف اسمه، ولنظفَ القضاء من الفاسدين المارقين منذ الأشهر الأولى من تسنمه المنصب الأول في الحكومة، ولأحالَ جميع ملفات الفساد والمفسدين الى لجان نزيهة وامينة ولألقى عصاه على الأفاعي الكبيرة من الفاسدين والمجرمين والمزورين، الذين افشلوا العملية السياسية واشاعوا ثقافة الفساد والاستهتار، ولأطعمَ بهم بطون السجون الجائعة، والتي بلا شك ستقول لهم مرحباً بكم ايها الفاسدون، شرفتمونا، ولأعادَ الى العراق هيبته ومكانته بين الدول كما كان سابقا يتغنى به الشعراء، قبل ان تتلاقفه الحروب والأزمات والحصار وقبل ان تغتاله رصاصات العملية السياسية الفاشلة، ولأشعل مليون شمعة حب للعراقيين المعذبين الذين ذاقوا شتى انواع العذاب والقهر، وتجرعوا ويلات الحصار والموت ومكابدات الحروب الطويلة التي ارهقتهم وسرقت احلامهم.

من يعتقد ان العبادي بإمكانه إجراء إصلاحات جوهرية او انه جاد في اتخاذ خطوات عملية حقيقية لتصحيح المسار السياسي وتطهير القضاء واقصاء الفاسدين من لصوص العملية السياسة، رجال الصدفة، فهو واهم، ولا يعرف شيئا في السياسة، ولا يعرف ألاعيب وحبائل ومكر وخبائث السياسة القذرة.

العبادي، لا يستطيع ان يغير او يجري اصلاحات تامة، أقصى ما يستطيع ان يفعله الرجل، هو اعطاء اقراص الباريستامول لتخفيف ألم صداع الرأس وليس التفكير بالعلاج الجذري للوجع، أقصى ما يستطيع ان يفعله الرجل هو دغدغة مشاعر العراقيين وتخديرعواطفهم بكلمات معسولة مثلما تقوم معامل تصنيع الأدوية بتغليف الأدوية بمادة سكرية محلاة لتجنب طعم الدواء المر "مرارة الدواء" لكي يسهل على المريض تناولها.

العبادي رئيس وزراء العراق، اي نعم، لكنه مقيد بشروط داخلية متمثلة بشروط كتل الأحزاب السياسية وقيادييها ممن لا يهمهم العراق، ولا يهمهم معاناة شعب العراق بقدر ما تهمهم مصالحهم الشخصية ونفوذهم وسرقاتهم وتقاسمهم الكعكة العراقية اللذيذة، واطالة مدة تخدير الشعب بأفيون اكاذيبهم، وأخرى قيود وشروط دولية واقليمية، لهذا فالرجل العبادي لا يمكنه الخروج من قمقم تلك القيود والشروط او القفز من فوق مظلتها.

الولايات المتحدة صاحبة القرار الأول والأخير، لها شروطها واجنداتها ومصالحها، وهذا امر لا يمكن نكرانه او تجاهله، اميركا هي من ساهمت بشكل او بآخر في وصول العبادي الى هذا المنصب الأول بعدما ازاحت المالكي واقصته بالأكراه، بعدما كان المالكي هو الحبيب الأول الذي ساهمت اميركا بتمديد عقد ولايته الى ثماني سنوات بالتوافق مع القوى الأقليمية، ولكن اميركا ما ان ترى صديقها يلعب مع غيرها، تطرحه ارضاً وتقول له معذرةً ليس لدينا وقتاً نضيعهُ في صناعة زوارق ورقية، وقبلهُ كان عشيقها اياد علاوي، وطلقتهُ بالثلاث، ولكن لماذا طلقتهُ اميركا هذا ما لا نعرفه ولم يخبرنا قاضي التحقيق بقصة الطلاق؟

ايران بالمقابل، صاحبة القوة المحركة والنفوذ القوي المتعاظم المرتبط بالأحزاب الدينية الحاكمة والمتوغلة حد النخاع، لها شروطها واجنداتها، ولا تنسوا فهي في صراع مستمر مع الغرب، وصراع لإثبات وجودها النووي كقوة دولية واقليمية في الشرق الأوسط، وايضا صراعها مع بعض الدول الأقليمية، ولها اجنداتها في الكثير من البلدان العربية، وتريد ان تجعل الغرب واميركا يتعكزون على القرارات الأيرانية داخل البيت العراقي، وتجعل من العراق حلبة لحسم صراعاتها السياسية مع اميركا والغرب والقوى الأقليمية الأخرى.

تركيا والسعودية بالمقابل، لهما اجنداتهما ايضا، لذلك اسمحوا لي أن ابدي برأيي المتواضع واقول، واهمٌ من يتصور ان الدكتور حيدر العبادي يستطيع القيام بحزمة إصلاحات حقيقية ويقفز من مركب التخندقات والأصطفافات الحزبية الضيقة المهيمنة على القرار السياسي، اذا فعل ذلك، فهذا يعني الانتحار السياسي، والعلم عند الله.

اما ما تسمعونه من اسطوانات مشروخة في الاعلام اليومي بأن العبادي ماضٍ بالإصلاحات حتى لو كلفه الأمر حياته، فهذه برأيي، بضاعة رخيصة يتاجر بها كل السياسيين العراقيين، وهذه احدى السمفونيات السياسية الفارغة المحتوى التي مللنا سماعها وتقيئنا لكثرة سماعها، حتى ما عادت شهيتنا تستسيغ تلك الكلمات المستهلكة، أنها مجرد كلمات لتخدير العراقيين وجعلهم يتأملون امطاراً في افق السراب، امطاراً في صيف تموز الحارق، وتجعلهم كمن يبني قصوراً من وهم... ما يقوله العبادي في الأعلام مجرد كلمات، وسبق ان ذكرت ذلك في مقال سابق بعنوان "الدموع لا تمسحها مناديل الكلمات".

الإصلاحات تعني تقليم اظافر اللصوص السياسيين وانهاء فصول مسرحية العملية السياسية الفاشلة، وهذا لا يمكن القيام به من قبل رجل اقل ما يقال عنه انه شريك في تلك العملية السياسية الفاشلة، العملية السياسية المصابة بالسرطان الرئوي منذ الساعات الأولى لولادتها القيصرية، وهو احد اقطاب التحالف الوطني المستحوذ على القرار السياسي، ولنكن اكثر صراحة في القول، ان الرجل، على الرغم مما يشاع عنه بأنه رجل طيب وخلوق ومؤدب، ولكن هذا لا يعني بأنه قادر على ادارة الوضع السياسي الشائك، فالسياسة لعبة الأقوياء ولعبة من يمسك بالعصا من طرفيها بقبضة حديدية.

الرجل العبادي خرج من داخل كابينة التجاذبات السياسية، ومن داخل رحم اقطاب تلك الأحزاب السياسية وشريكهم الأول طوال تلك السنوات العجاف، فكيف نتأمل منه ان يشن حرباً شعواء ضد من جاءوا به الى الحكم، ومع ذلك اقول العلم عند الله، وأتمنى أن يكون العبادي قادراً على امتطاء صهوة الإصلاحات وفك طلاسم اللغز المُحير ليقول لي كما قال الشاعر:

لا تحتقر كيد الضعيف فربما *** تموت الأفاعي من سموم العقارب

فإن ماتت الأفاعي على يديه، وهذا ما اتمناه ويتمناه كل العراقيين، ولو أنا اشك في ذلك كل الشك، وربما يشاطرني هاجس الشك كل الذين يعرفون خبائث السياسة، ودهاليز السياسة، وقراصة السياسة، ولكن من باب "أحمل اخاك على سبعين محمل خير"، سأقول له، إن فعلها، بارك الله فيك يا حيدر العبادي، وموعدنا غداً العراق الديمقراطي المدني الحر!