إذا كان الإقليم السُّنَّي حلاً..فليكن

استمعت إلى كلمة الأمين العام لـ"جبهة الخلاص الوطني" مضر شوكت؛ طارحاً إقليماً عربياً سُنياً، وإذا لم أكن مخطئاً، أنه مِن أحفاد السياسي العراقي وطبيب العيون سامي شوكت(ت1986)، الذي اشتهر بتنظيم "الفتوة" متأثراً بالفاشية الإيطالية، واشتهر بالرُّدود بينه وبين قريبه السِّياسي العراقي كامل الجادرجي(ت1968)، في أربعينيات القرن المنصرم، على صفحات "الأهالي" و"الزَّمان"(الجادرجي، افتتاحيات جريدة الأهالي). كان العالم في الثلاثينيات إما ديمقراطياً أو فاشياً ـ يوم طرح سامي شوكت تنظيم الفتوة بوصفه مديراً للمعارف ـ ومثلت الفاشية حينها المد القومي بعنفوانه وتعصبه وعسكريته.

ذكرتُ ذلك لأنني طالعت بعض ما كُتب من تعليقات على خطاب مضر شوكت (الشَّهر الماضي) بأربيل؛ أمام حشد المهجرين والغاضبين مِن العرب السُّنة. أقول لشوكت حصة في المعارضة السَّابقة، فقد كان عضواً مهماً في المؤتمر الوطني، ويده بيد رئيسه الشِّيعي، لكن ما الذي قاده إلى الإلتفات إلى سنيته بعد عودته إلى بغداد(2003)؟ ولو التفت إليها مِن قبل لوضع يده بيد النِّظام السابق؟ مَن الذي جعل ابن بغداد ومدنيتها، وكان شقيق جده ناجي شوكت(ت 1980) رئيساً لوزراء العراق، والأُصول تمتد إلى الجد شوكت معاون داود باشا(ت 1851) آخر الولاة المماليك (بصري، أعلام السِّياسة في العراق الحديث)؟

الجواب: بعد دخول الأميركان وهدم الدَّولة، وتسليم الأحزاب السُّلطة، عاد الرَّكب إلى طوائفهم، فرئيس المؤتمر أسس البيت الشِّيعي وأقام موكباً حسينياً انتخابياً، وكأنه كان يستخدم بعض السُّنَّة ديكوراً لمؤتمره، والأحزاب دخلت ائتلافاً مشروطاً بموافقة الولي الفقيه ومراجع المذهب، فلماذا لا يعود شوكت للطائفة والقومية، بعيداً عن تصورات جده، فذلك ظرف انتهى؟

فما زال المنطق في السياسة العراقي كالآتي: إذا اتهم سِّياسيون شيعة المؤتمر الذي عُقد مؤخراً بالدَّوحة؛ بأنه أجندة خارجية، يُذكرهم سياسيون سّنَّة باجتماعات عقدتها الأحزاب الشِّيعية بطهران، وبحضور قاسم سليماني اجتماعاتهم ببغداد. فلماذا يجري الغضب من مؤتمر يُعقد بعاصمة تربطها القومية والمذهب بالقوى السُّنيَّة؟ والجانب الآخر يرد لماذا يُعترض على حضور إيراني يجمعه مع القوى الشِّيعية المذهب والتأسيس في الماضي والحاضر؟ وغير هذا مِن مواجهات الاستقواء.

لقد ارتفعت راية السِّياسة ما بعد(أبريل 2003) على صارية طائفية، وصار الخارج ملاذاً؛ بعد تبادل الانتقام عبر المسلحين، ولو كانت السُّلطة التنفيذية(الحكومة)، والقوات المسلحة العامة والمال بيد الإخوان المسلمين مثلاً، لا بيد "الدّعوة" نسختهم الشِّيعية، ما تأخرنا مِن تحميلهم ما يحصل، والإشارة إلى الدولة التي توجههم جنوباً وشمالا، وتستقبلهم وتقدم الحماية لهم داخل بغداد، بينما التظاهرات الشَّعبية عارمة ضدهم.

يكذب مَن يقول لا وجود للإقصاء الطَّائفي، ولا إيذاء بحجة وأخرى، وتحميل السُّنة كافة أمر الإرهاب دون الميليشيات، وأظن أن الحديث عن تمسك سُني بقيادة السُّلطة قد انتهى، فلم يعترضوا، بل باركوا وشاركوا، لكنَّ الحفر الطَّائفي ظل جارياً، حتى فاض الكيل، وأُرجعت المواجهة، على لسان رئيس وزراء العراق السَّابق، إلى عصر "الحسين ويزيد"، ورفعت رايات "مختار العصر"، ومعلوم أن اسم المختار الثَّقفي (قُتل 68هـ) وظف رمزاً للانتقام، وفي هذا الوقت.

مِن الجانب الآخر، علا الصّراخ الطَّائفي في ميادين الاعتصامات(2012-2013)؛ وصار الهتاف: "اخراج الفرس المجوس من بغداد"، والفضائيات السُّنية المتطرفة تصب في النَّار زيتاً على أنغام فضائيات شيعية تقابلها. بهذا خدم الطَّائفيون بعضهم بعضاً خدمات كبيرة، فُلق بصوتها الشَّعب العراقي على أساس الدَّم الطَّائفي. فلو دققنا في المواجهة نجدها فعلاً ورد فعل، حتى ظهرت "داعش"، وجُندت الميليشيات للقتال دفاعاً عن ضريحي زينب ورقية، هذا المعلن، لكن واقع الحال كان دفاعاً عن النِّظام السُّوري، وإلا كيف يوافق النِّظام المذكور على وجود مسلحين غير نظاميين أجانب على أرضه؟

في تلك اللَّحظة نُسيت الأفواج الإرهابية التي كانت تدخل من الحدود السُّورية إلى العراق؛ عبر منفذ "القائم"، وذلك أمر مشهور، جاء على لسان الحكومة العراقية نفسها، حين عزمت على تقديم شكوى إلى الأُمم المتحدة بهذا الخصوص(2007-2008)، وإذا الآن يدخل النِّظام السُّوري في رباعية مع إيران والعراق وروسيا!

أقول: ما زالت الطائفية أُس السِّياسة، ولا يُقطع أمر إلا بموافقة الخارج، ورمي الدعوات لإنهاء المحاصصة عرض الحائط، فما دعا إليه شوكت مِن إقليم عربي سُني ردة فعلٍ مساوية للفعل. وإذا كان حلاً فليكن. أقول: إن صورةً واحدةً لخميني وخامنئي ببغداد، أحسبها تكفي لحشد الشُّعور لإقليم عربي سُني؛ وأن يصرح مسؤول قائلاً: لا نخرج عن شور مرجعيتنا! كذلك تكفي للتفكير بإقليم خارج حدود المرجعية، وعليكم البقية.