أمن الامارات في الإطار الاقليمي

وضع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي النقاط على الحروف في موضوع استراتيجي حيوي موضع كثير من التحليلات في الفترة الأخيرة، حيث أكد خلال لقائه مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في أبوظبي مؤخراً، أن دولة الامارات العربية المتحدة "تؤمن إيماناً راسخاً بأن أمن المنطقة والبلدان العربية كل لا يتجزأ" وأن" أمننا في دولة الامارات لا ينفصل عن أمن الدول العربية مجتمعة"، مشيراً إلى أن "الامارات ستقف مع أشقائها كل حزم في مواجهة أية مخططات وأطماع تستهدف زعزعة أمن واستقرار بلداننا والتمسك بعروبتنا".

هذه التأكيدات تعيد التأكيد على ثوابت دولة الامارات ورؤيتها للأوضاع الاقليمية، وتقدم رداً كافياً وشافياً على من يحاول التشكيك في الحسابات الاستراتيجية التي يرتكز عليها موقف الدولة في الأزمات الحاصلة في بعض الدول العربية، ولاسيما في اليمن، حيث يتجاهل البعض فكرة "الوحدة العضوية" للأمن القومي العربي، ويسعون إلى بناء منظور ضيق مبتور لأمن كل دولة عربية على حدة، ومن ثم نجد أحياناً تساؤلات غريبة تطرح في بعض وسائل الاعلام من مثل: لماذا تتدخل دولة الامارات عسكريا في اليمن البعيدة جغرافياً عنها؟ ولماذا تهتم الامارات بالأزمة الليبية؟ ولماذا تقدم كل هذا الدعم والمساندة للشقيقة مصر؟ ولماذا تجازف الامارات بدماء أبنائها في صراعات عسكرية لا ناقة لها فيها ولا جمل؟

قد يقرأ بعض المتابعين للأمور هذه التساؤلات ويستغرب ضيق أفق أصحابها، ولكن الحقيقة أن هذه النوعية من التساؤلات لا تستهدف سوى التشكيك واثارة الفتن واللغط حول موقف الدولة المدروس حيال هذه الأزمات وغيرها، فأي دارس أو باحث في العلوم السياسية يدرك الأسس الحقيقية التي يقوم عليها وينطلق منها الأمن الوطني للدول كافة، ويدرك أن المسألة لا تتوقف على حسابات المسافات الجغرافية وحسابات الأرقام و"الكيلومترات"، بل ترتبط جوهرياً بسلسلة معقدة من حسابات المصالح والأهداف الاستراتيجية والأبعاد التاريخية والجيوسياسية وعدا ذلك ليس سوى نوع من الهرطقة التحليلية التي لا طائل من ورائها.

مسألة الوحدة العضوية للأمن القومي العربي وأنه "كل لا يتجزأ" هي يقين راسخ وفكرة متجذرة في الفكر الاستراتيجي والسياسي الاماراتي منذ تأسيس الدولة على يد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وليست عابرة ولا تعكس تحولات في السياسة الخارجية كما يزعم بعض الكتاب والباحثين، ولو صح كلامهم فإن هذه التحولات أيضا ليست جديدة لأن إمارات زايد الخير قد اتخذت الموقف العروبي القومي ذاته في حرب السادس من أكتوبر عام 1973، أي قبل أربعة عقود ويزيد، حين أعلن الشيخ زايد أن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي داعما الشقيقة الكبرى مصر بكل ما أوتيت دولة الامارات من موارد وثقل سياسي واقتصادي، ومن ثم فإن ما يحدث الآن ليس سوى استمرار للنهج وما أشبه الليلة بالبارحة.

مواقف الامارات في مساندة الأشقاء العرب وتقديم الدعم لهم لا تقبل المزايدة ولا التشكيك وليست كذلك طارئة ولا عابرة، بل سلسلة من الثوابت القومية المتصلة المتجذرة في يقين أبناء الامارات جميعاً، وفي مقدمتهم أبناء زايد الخير فهم من تربوا على هذه الثوابت وماضون على درب الوالد المؤسس حيث لا تفريط ولا تهاون في الأمن القومي العربي وحيث نجدة الأشقاء وتلبية استغاثة الملهوفين لها الأولوية والصدارة في حسابات القرار الوطني الاماراتي.

إن تأكيد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على أن أمن دولة الامارات لا ينفصل عن أمن الدول العربية مجتمعة يعبر عن رؤية استراتيجية واعية للأمن الجماعي العربي، فالصراعات التي تموج بها المنطقة من حولنا وتنافس الخطط وتكالب القوى الاقليمية والدولية، يفوق طاقات أي دولة عربية على مواجهته والتصدي له بشكل منفرد، والوضع الاقليمي الذي يزداد ارتباكاً وتعقيداً يتطلب ترجمة دقيقة لرؤية الامارات بوحدة الأمن القومي العربي والالتزام بها، باعتبارها طوق الانقاذ الوحيد من دوامة الفتن والمؤامرات.

إن تصريحات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بشأن الأمن القومي العربي تعكس أيضا تجذر العروبة والأصالة في الفكر السياسي الاماراتي، وتؤكد للحاقدين والمشككين أن الامارات لا تعادي أحداً بل تدافع عن شرف أمتها العربية ومصالح شعوبها ومكتسباتها وحق هذه الشعوب في حياة كريمة آمنة مستقرة كباقي شعوب العالم.