لا غناء في الغناء


الدروس الموسيقية في تلحين قصائد السياب متاحة أمامه للتعلم منها

ليست للأمر علاقة بالحنين إلى القديم بتاتا، إنه افتراض حسي عن تطور الذائقة المفترض وليس السقوط في السائد والموغل في السطحية، كنت أعيد مع نفسي سؤالا تكرر خلال السنوات الماضية عن تغيّر وظيفة الأغنية ضاعت الإجابات عنه في زحمة تكرار السؤال، فالمغني لا يغني اليوم من أجل التعبيرية، بل من أجل شيء آخر يخصه وحده لا يمت بصلة لذائقتنا السمعية!

كان بالنسبة إلي مساء للاسترخاء في مطعم لندني يبدو أن زبائنه من الأتراك والإيرانيين وبدرجة أقل الإنكليز، لذلك تعمد صاحبه أن يضع شاشة كبيرة تبث سلسلة غير منقطعة من الأغاني الفارسية والتركية، وهي كما تبدو نسخة طبق الأصل من أغانينا العربية اليوم، كنت أحاول أن أكون موضوعيا أو حكما للتقييم وأرغمت نفسي على ذلك في محاولة لأجد لمسة فنية أو تعبيرية في أكثر من عشرين أغنية استمعت لها موسيقيا من دون أن أعرف معاني كلماتها، لمجموعة من المطربين والمطربات ومن أجيال مختلفة، فلم أجد غير أن هذا الكم من الأغاني يمكن أن يكون أغنية واحدة وعلى مقام واحد كمقام الكرد!

حسنا، دعونا نجرب اختبارا مقترحا يفضي إلى نتيجة كي نعرف كم من ملحني ومطربي اليوم يمتون بصلة إلى علوم الغناء، فلنجمع عشر أغان عشوائية لمطربين أو مطربات يظهرون كثيرا في المحطات الفضائية، ونأتي بمستمع لم يسبق أن تعرف على هذه الأصوات ونمنحه فرصة الاستماع إلى هذه الأغاني على مدار يوم كامل كي تترسخ في ذهنه، وبعدها ندعه يستمع إلى أغنية أخرى لواحد ممن استمع لهم في التجربة الأولى، فهل يا ترى يستطيع أن يعرف هذا الصوت ويجمع بين الأغنيتين؟

أشك في ذلك، لسبب بسيط له علاقة بتشابه الأصوات التي تغني اليوم وكثرتها إلى حد مربك وافتقارها إلى الدربة والمران في الأداء ولجهلها العلاقة بين آلية وروح المفردات التي تغنى، فالكلمة التي تغنى يجهد الملحن في أن يجد روحها بجملة موسيقية مؤثرة وليس آليتها، آلية الكلمات يتداولها الناس في الكلام بشتى المستويات، وحدهما الملحن والصوت المعبر من يستطيعان البوح بروحها.

فمن يلقب بـ “فنان العرب” ارتكب مجزرة موسيقية في قصيدة بدر شاكر السياب أنشودة المطر، عندما حول نغمة المطر إلى صراخ مصاب بالوهن والارتخاء أقرب منه لصوت صبي جائع! وليس نثيث مطر حزين ملتاع كقلب الشاعر، وقبلها فعل الأمر نفسه في قصيدة “وهم” للشاعر فائق عبدالجليل ولحّن مفردة الوهم كمن يجهل دلالتها في النص، بينما كانت الدروس الموسيقية في تلحين قصائد السياب متاحة أمامه للتعلم منها. ومع كل ذلك ثمة من يصر على تسمية محمد عبدة بفنان العرب!