علينا الخروج من عهد البعث وصدام حسين

عندما يفشل الانسان بحياته سيذهب الى المقهى ويفكر، سيراجع فلسفته العامة عن العيش والحياة، حتى يكتشف بأن فلسفته غير متماسكة، لهذا فإن الأشياء التي ينجزها اليوم يهدمها غدا. كذلك الشعوب يمكن لها أن تفشل، والمهم أن تراجع نفسها من خلال مفكريها وسيعثر الشعب حتما على حلول. هذا ما فعله كتاب ألمانيا النازية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية.

ربما على المثقفين يتوقف البحث عن فلسفة جديدة، وطريقة أخرى للحياة والتفكير، يجب ألا نبتلع الطعم ونبقى في "سجن العناد" لماذا نظل أسرى الماضي؟ ندور حول حزب البعث وصدام حسين إلى الأبد، ربما هذه خدعة وخطأ جسيم نرتكبه بحق أنفسنا وأطفالنا.

دكتاتور ضيع بلاده ونفسه وشعبه، رجل يتخذ القرارات المتعلقة بحياة ملايين الناس بمفرده وبلا مسؤولية، لا توجد أهمية كبيرة في هذا العصر لقائد سياسي يحول شعبه إلى منشدين يرقصون له ويقرعون الطبول ويرفعون صوره في كل مكان. ربما علينا القبول بالواقع بلا عناد، نحتاج فكرا جديدا وطريقة جديدة لأنفسنا. الماضي لا يفيد نحن أبناء اليوم، وبحاجة لأن نعبر معا هذه المِحنة.

مثال واضح على هذا العناد السياسي ما حدث بعد وفاة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، كيف اندلع ذلك الصراع الذي لا علاقة له بالشعر والابداع على الإطلاق. الشاعر الجاهلي مثلا كان يقاتل ويقول المعلقات الخالدة، وكان الصعاليك مثل الشنفرى يغامرون ويكتبون القصائد اليتيمة من وحي الخطر الذي يتقحمونه، والمتنبي كان عنده قلق وجودي لهذا يسافر ويتأمل ويبدع الحكم بلغة عالية وصادقة، حتى ذبحته كلماته بعمر الأربعين. وكان أبو العلاء المعري "أسير المحبسين" شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، لم ينجب ولم يسع خلف شهرة أو مال، عاش زاهدا وصاغ لنا نظرة متشائمة عميقة عن العالم، ومجنون ليلى كان يقف على طريق القوافل عاريا، يتعلق بأستار الكعبة ويصرخ بأعلى صوته "ليلى".

المقصود هو أن الشعراء في الماضي يغامرون بأجسادهم، وكان شعرهم صادقا ويمثل مغامراتهم الشخصية، أما عبد الرزاق عبد الواحد رحمه الله كان يمجد الحروب وبناته جميعا يدرسن بباريس على نفقة القائد العظيم. ربما البعثيون يحبون قصائده لسبب سياسي ولكنني لا ألوم الشيعي إذا لم يعجبه ذلك. فهو يموت بالحرب رغما عنه خوفا من عقوبة الإعدام، ولهذا يشعر بالحقد على شاعر يمجد المعارك وقائد تلك المعارك وحارث نارها.

العراقي يفقد ثلاثة وأربعة من أبنائه بحروب صدام حسين، بينما لم يفقد صدام حسين أبناءه حتى احتل الأميركان بغداد، كان الرئيس يغامر بأبناء الشيعة والسنة الفقراء وليس بأولاده. عبد الرزاق يمجد الحرب التي تترمل بها بنات الفقير، اللائي يعملن بالحقول ويعتنين بالأبقار والجاموس بينما بناته يتجولن بباريس.

كل إنسان له ظروفه ولا داعي للمبالغة والكلام الغامض. الفقير العراقي بالقرى البعيدة كانت تتفطر أيدي أطفاله وأرجلهم من "المشگ" بسبب البرد والقذارة والفقر، وبناته يضعن النفط في شعرهن لقتل القمل، وعبد الرزاق يتكلم عن المعالي والكبرياء والشموخ، هذه ثقافة غير مفيدة في نظر شريحة كبيرة من العراقيين اليوم.

يجب ألا نستسلم للماضي وألا ندافع عنه لا لشيء فقط نكاية بدولة طائفية فاشلة تمارس التمييز بحقنا، نحن بهذا الإصرار على تمجيد الخطأ نضيع على أنفسنا فرصة ثمينة لمراجعة الذات، واكتشاف حلول يكون شعبنا بأمس الحاجة إليها.

أعلم بأن ذلك ليس سهلا فأنا نفسي أشعر بحنين إلى تلك الأناشيد البعثية المدوية وذلك الزهو القومي الغامض، إلا أننا في النهاية يجب أن نتداوى بالأمل، وبالإيمان بالله، وبالمحبة الخالصة للعدل والسلام.