اجتياح الزوار الايرانيين للحدود العراقية اعلان وحدة اندماجية

الكل عبر عن استيائه لاجتياح آلاف المدنيين الإيرانيين بعوائلهم الحدود العراقية من منفذ زرباطية الحدودي مع إيران، وقارنوا ذلك التساهل بالتشدد على جسر بزيبز حيث يتم منع دخول الهاربين من جحيم الحرب في الرمادي الى العاصمة بغداد. والحقيقة يجب أن نفكر أيضا في ظروف الحرب والفوضى والأخبار المرعبة لو فتحنا الحدود غدا صباحا للعوائل الاردنية أو العربية فكم ألفا سيقتحمون الحدود العراقية بلا تأشيرة؟

بدلا من الكلام عن قداسة الحدود الوطنية العراقية، كان على المحللين التفكير بهذا التضامن الرهيب الذي لا يبالي بحرق الجثث وأخبار داعش، بحيث يحمل الايرانيون نساءهم وأطفالهم بالآلاف سيرًا على الأقدام نحو أربعينية الحسين بكربلاء، حتى وصل عدد الإيرانيين إلى نصف مليون. الشيعة يعيشون في كوكبهم الخاص غير مبالين بالعالم من حولهم. أهل الأنبار مهما كان قد نزحوا من مناطق الدواعش إلى بغداد حيث الأمان من القصف، بينما الايراني يدخل من بلد آمن بأطفاله الى بلاد موت وحرب ليشعر برحلة الحسين من الجزيرة إلى كربلاء حيث طارده دواعش ذلك الزمان وقطعوا رأسه.

الجماعة لا يجمعهم ضريح الحسين ومقبرة السلام وحكاية كربلاء وغربة الرضا ثم تفرقهم حدود سياسية او مشاعر عنصرية، وقد ضربوا في ذلك أكثر من مثال على مر تاريخهم منذ احتضان إيران للمراجع الشيعة في القرون الوسطى وحتى احتضان العراق للمرجع الأعلى السيستاني الفارسي بالنجف. أليس العالم كله تفاوض مع مواطن إيراني كالسيستاني في النهاية بشأن مصير العراق؟

يعتقد عدد كبير من الشيعة أنه قد تم خداعهم في عهد صدام حسين وإرغامهم على ذبح الإيرانيين دفاعا عن العروبة المزعومة، ثم كانت المكافأة باضطهادهم وحصارهم وتجويعهم من قبل العرب أنفسهم. كانت وجوه أطفال العرب متوردة بالخيرات في التسعينات، بينما أطفال الشيعة وجوههم كالحة وصفراء من الحصار والجوع.

بعض القنوات العربية تروج لكتاب شيعة عراقيين يصرحون ضد انتهاك ايران للسيادة العراقية في معبر زرباطية، وكأن العرب يقولون لهم "اكذبوا علينا رجاء". والخبراء الإيرانيون يقرأون أخطاءنا الفكرية في الاعلام العربي دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تصحيحها لنا ويعكفون على مشروعهم السياسي الجاد.

لماذا ينزعج الشيعي العراقي من دخول نصف مليون زائر ايراني بلا تأشيرة؟ ألم يدخل نصف مليون عراقي الى ايران عام 1991 هربا من بطش الحرس الجمهوري بلا تأشيرة بعد فشل الإنتفاضة والتمرد المسلح حينها؟ ولماذا ينزعج العراقي من هذا التداخل مع ايران في عالم يهددهم بالذبح ويصفهم بالروافض والمشركين؟ لقد كان الشاب العراقي أيام الجوع والحصار يدخل ايران بهويته الشخصية ويعمل حلاقا في صالون بمدينة قم، وخلال اسبوعين ينزل الى طهران "يعاكس" الطالبات الايرانيات بلا جواز ولا تأشيرة. مجرد "تضامن شيعي". الآن يريد العرب منه أن يحتج على دخول الايراني بلا تأشيرة الى بلاد يحتل الدواعش ثلثها؟

الأكراد مشغولون بمشروع اعلان دولة خاصة بهم، والشيعة مشغولون بتحطيم كيان سني متمثل بالدولة العراقية والاتحاد بدولة كبيرة مثل ايران. أما الدولة الاسلامية فهي الاخرى مشروع متطرف للتخلص من العراق في جغرافيا أوسع. الكل يفكر بمصالحه وأمنه وهذا مشروع.

وكما يبدو كلما فشلت الدولة العراقية ازداد التشيع قوة، وازدادت الرغبة بالاتحاد مع ايران. إن الولي الفقيه يقوم ببيع الشركة الوهمية التي اسمها "عراق" وإعلان افلاسها، تمهيدا لدمج الارض وقطع الغيار بالشركة الأم. المشروع الايراني بخير فليس مطلوبا من الشيعة بناء دولة عراقية بل المطلوب تحطيمها، فالذي يتفكك في النهاية هو العراق السني، أما العراق الشيعي فيزداد تماسكا ويعود عودة الفرع إلى الأصل.

الدولة العراقية جوهريا في نظر الشيعة عبارة عن كيان قومي "سني" لخنق الحوزة العلمية في النجف ولوقف الامتداد الطبيعي للمذهب باتجاه الغرب، كما أن العراق هو كيان لصد الخطر الايراني عن باقي الدول العربية الممتدة غربا، فلماذا يقوم الشيعة اليوم ببناء الدولة العراقية؟ الشيعة طائفة ذكية ولن يقوموا بدعم كيان قائم جوهريا ضدهم. إن تفكيك العراق يصب في مصلحتهم خصوصا بعد عثور العالم على خطر سني متمثل بالارهاب والتطرف. هذا ربيع شيعي حقيقي أكثر ازدهارا من العصر الصفوي والفاطمي والمغولي والبويهي.

السنة أيضاً غير مرتاحين في العراق وقد أكد استطلاع للرأي أجراه معهد الدراسات الأميركي للشرق الأوسط بأن 82% من العرب السنة في العراق يفضلون أن يعيشوا في أقليم مستقل، بينما ذهب ما نسبته 46% الى الانفصال عن العراق بعد التخلص من داعش.

ان اجتياح مئات الآلاف من الزوار الإيرانيين للحدود العراقية يعتبر حدثا فريدا في هذه الظروف، فهذا اجتياح مدني وليس كاجتياح فوج مسلح تركي للحدود العراقية دون موافقة بغداد. وحدة العراق بايران ربما هكذا تكون بالموجات البشرية على الأرض وليس بالطائرات والمدرعات. وحدة عقيدة ومصالح وتجارة وأمن مشترك.

إن العراق المعروف بالدواعش وانعدام الأمان كيف يجتاحه مدنيون وعوائل إيرانيون بمئات الآلاف سيرًا على الأقدام باسم ضريح الحسين؟ هذا تضامن خطير بل لا مثيل له. وفي النهاية العالم لم يستطع منع مقاطعة كيبيك من التصويت على الانفصال عن كندا وتأسيس دولة جديدة، كما لم يستطع منع الايرلنديين من التصويت على انفصالهم عن بريطانيا. القانون يكفل للشعوب حق تقرير مصيرها. ومسألة الاتحاد بإيران قضية متروكة للشعب الشيعي في العراق ولمراجعه الدينيين ولمدى ترحيب إيران بهذا الأمر. المطلوب من العرب الكف عن حل المشاكل الجوهرية بالمقالب الاعلامية ومواجهتها على الأرض كما هي.