دماغ ثنائي اللغة

إذا كان الإنسان يتخذ قرارات أكثر عقلانية عندما يمتلك لغة ثانية باعتبارها جسرا بين ثقافات العمل وبمثابة مَعْلم خفي يُشير نحو أولئك النجوم في المستقبل، فإن التنازل عن فرصة تعلم مثل هذه اللغة يعني بالضرورة التنازل عن قدرة صناعة الأفكار، وهذا ما تمثله نسبة كبيرة من العرب الذين منحوا فرصة العيش في الغرب.

العربي في بريطانيا لا يشعر بالخجل من ابنه الذي يتحدث الإنكليزية بلكنة أهل أكسفورد بينما هو عاجز عن التحدث معه بإنكليزية معقولة فيضطر لإرغامه على الكلام بالعربية تحت مسوغات ليست كلها معقولة.

لم يعد يبالي بغير اختيار حياة مكررة منكفئة على نفسها تدور ما بين المتجر العربي إلى المقهى، بينما تحفل المدينة بتاريخ مبهر ومشجع على الاكتشاف. فما الذي يمنعه من الاندفاع إلى مثل هذا الاكتشاف واللغة الجديدة؟

مثل هذا العربي الفاقد لقدرة المحاولة على الاندماج في المجتمع الجديد متوفر بكثرة، بينما تتاح على نحو متزايد طرق أخرى لتحقيق الفاعلية التشغيلية في اللغات الأجنبية. ويبدو أن تطبيق مُترجم غوغل وغيره من التطبيقات الآلية يعمل على إلغاء تبرير واحد لتعلّم اللغات، من خلال أدائها على نحو كاف.

وهذا ما تؤكد عليه أنتونيلا سوريس، أستاذة علم اللغة التطوري في جامعة إدنبرة في تصريح نقلته صحيفة فاينانشيال تايمز بالقول “إن الدماغ ثنائي اللغة يمكن أن يكون في الواقع أفضل في ممارسة العمل من الدماغ الذي يعرف لغة واحدة”.

سيكون من المذهل بدرجة كبيرة أن يحلم الإنسان في منامه بأكثر من لغة، وهذا ما بادرت به في سؤال صديقة لي إنكليزية تتقن الحديث بأربع لغات والقليل من العربية فيما حصلت على فرصة تعلم اللغة الكورية في دورة مجانية بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس).

قالت نعم الحلم بلغة ثانية يعني أنك أتقنت تلك اللغة بشكل كاف. وحتى اللغة المُكتسبة في وقت لاحق من الحياة يُمكن أن يكون لها التأثير نفسه، وهذا سبب مشجع بعدم فقدان الأمل حتى للذين عبروا أكثر من منتصف العمر.

ليس بالإمكان فهم أعماق المجتمع من دون معرفة لغته والدلالات المباشرة والموحية في التخاطب بين أفراده، تلك هي معضلة العرب الذين يعيشون على هامش المجتمعات الغربية، مع أنهم صاروا جزءا من تلك المجتمعات.

المثير في الأمر، أن الأبناء بعد أن درسوا وتخطوا عائق تعلم اللغة وصاحبوا أفرادا من خلفيات مختلفة، صاروا يمتلكون القدرة على فهم طبيعة المحيط الذي يعيشون في كنفه، بينما الآباء يدورون في حلقة مكررة حول أنفسهم ولا يشعرون بالخجل من عجزهم عن تعلم لغة ثانية.