ديالى كعبة الشيعة ومائة جثة على يد الميليشيات

قبل يومين فقط قامت الميليشيات الشيعية باختطاف مائة شاب من شباب المقدادية ثم بعد ساعات تم رمي جثثهم في المدينة مثيرين موجة من العويل والرعب لدى رجال محافظة ديالى ونسائها. إن شعور الناس بأنهم عرضة للخطف والقتل مثير للفزع حقاً، وهو ذات السيناريو الذي اتبعته الميليشيات بين عامي 2006 و2008 لتهجير سنة بغداد. هناك توقعات بعودة هذا النوع من النشاط الإجرامي في العاصمة قريبا.

سيصبح حال سنة العراق عما قريب مثل مسلمي بورما وبعض مناطق أفريقيا الذين يحرقون بشكل جماعي، لقد لاحظت بأنهم يجلسون هادئين ينظرون الى النار وهي تأكل أعضاءهم. هذا الاستسلام التام للقدر السيئ أثار اهتمامي، وكأن فكرة الموت قد سيطرت عليهم تماماً، حتى لم يعد بهم الطاقة اللازمة لرفض العذاب والاحتجاج. إن أشياء مريعة كالتي تحدث في ديالى اليوم هي التي تضع التاج بكل أسف على رأس تنظيم داعش الإرهابي كمنقذ للسنة، الا أننا يجب ألا ننسى أبداً بأن الميليشيات المجرمة قد تحركت بعد تفجير مقهى وقع ضحيته 60 ميليشياوي في المدينة ذاتها وتبنى الدواعش المسؤولية عن ذلك التفجير.

ما الذي يجري في محافظة ديالى حقاً؟ لماذا شعبها يمشي على الجمر؟ لو تنظر الى الخريطة تكتشف بأنه لا توجد حدود لإيران مع العرب السنة الا في ديالى. من الجنوب حدودهم شيعية داخلية مع البصرة وميسان وواسط، ومن الشمال هناك الجبال الوعرة والمحافظات الكردية أربيل وسليمانية. الاستثناء الوحيد هو محافظة ديالى التي غالبيتها من السنة العرب ولها حدود طويلة منبسطة مع ايران. وديالى مطلة على العاصمة بغداد أيضاً ومحيطة بها. بالنسبة للشيعة تهجير السنة من ديالى يعتبر حتميا وإرادة بقاء لمشروعهم. ففي ذلك حماية مكتسباتهم الديموغرافية في بغداد التي تشيعت بالكامل تقريبا، وأيضاً الأمن القومي الشيعي وحدود ايران.

هذا الكلام ليس سراً فقد قال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي عام 2013 للوفد الذي زار طهران برئاسة السيد نوري المالكي إن محافظة ديالى هي "كعبة الشيعة" ويجب أن تكون شيعية بالكامل لأنها الطريق الأقصر لإيران، كما أعلن ذلك صراحة ممثل المالكي بمؤتمر عقد بمحافظة ديالى في تاريخ 7/7/2013 ولم يكذبه بعدها لا الجانب الايراني ولا مكتب السيد نوري المالكي.

وذكر متابعون إن هناك نقاشا اليوم حول الطريق الرابط بين ديالى وسامراء. حيث أخذت القرى والقصبات على هذا الطريق نصيبها من التهجير والإقتلاع الديموغرافي. أي أن هناك إصراراً على ضم مدينة سامراء بعتباتها الشيعية المقدسة لتصبح تابعا اداريا وجغرافيا للعراق الشيعي. سيتحتم في المستقبل على أهل نينوى إذا أرادوا الذهاب الى الأنبار اتخاذ طريق أخرى غير سامراء وديالى، وهي طرق جديدة بدأت داعش بشقها اليوم.

ويبدو واضحا أن الخط الواصل من الأنبار الى العاصمة بغداد وديالى، هو خط يمتد الى العمق الاستراتيجي العربي في السعودية. لو أصبحت ديالى شيعية كما هو جاري العمل على قدم وساق، تكون ايران بلا حدود مع العرب السنة. واذا تعيد النظر بالخارطة تجد بأن تقسيم العراق غير ممكن اليوم بسبب ديالى وسامراء، ولكن لو تهجر سنة ديالى وتشيعت سامراء، يصبح الجزء الممتد من نينوى الى الأنبار الذي تقع على مشرقه محافظة صلاح الدين هو الجزء السني المعزول أساسا، بسبب الحرب على الدولة الاسلامية. عزلة السنة قد تطول، فآخر تصريح لجون كيري يقول إن مكافحة تنظيم داعش ستستغرق وقتا ولكننا سنهزمه في النهاية.

بخسارة السنة لبغداد وديالى وسامراء أصبحوا عمليا غير عراقيين، ولاستعادة عراقيتهم سيكون مطلوبا منهم التشيع. بوجود داعش سيصبح التشيع مثل اللجوء عبارة عن انتقال الى ثقافة أخرى، ولغة أخرى، وجغرافيا أخرى للحصول على جنسية وطعام وأمان.

الشيعة مطالبهم واضحة وليسوا مشوشين فكريا ولا سياستهم متقلبة يريدون ثلاثة أشياء: أولا سواحل ومضايق بمعنى آخر دولة بحرية مهمة، وثانيا نفط وغاز المناطق الشيعية، وأخيرا العتبات المقدسة الاسلامية خصوصا البقيع في المدينة. هذه مطالب على المدى البعيد وليس فورة غاضب. ولهذا جلبوا العلوي والزيدي والاسماعيلي والإخباري ووحدوهم مع الاثنا عشرية في تحالف ومشروع كبير ضخم عالمي، بل تمكنت ايران من إقناع بعض المسيحيين والاباظية بأن عقيدتهم ليس فيها تكفير، وإن ايران تمثل اليوم ملاذا واقعيا للأقليّات من التطرف السني الهادر.

يبلغ ليل السنة في العراق قمة سواده، اذا علمنا بأن قياداتهم السياسية مجرد شخوص ضعيفة موالية لإيران، فقد سمعنا صرخة استنكار شجاعة لجريمة الميليشيات الأخيرة من السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي، ولم نسمع كلمة من السيد رئيس البرلمان سليم الجبوري، الذي يجلس على أعلى منصب "سني" في البلاد وهو أحد أبناء محافظة ديالى.

قبل أيام فقط وقف السيد سليم الجبوري في حضرة قائد فيلق بدر السيد العامري وبحضور رئيس الجمهورية العراقية وقال له بأنه "ابن العراق البار" وميليشياته لها تاريخ مشرف من النضال والوقوف بوجه الدكتاتورية، يقصد ذلك التاريخ من القتال الى جانب الجيش الايراني ضد جيش بلاده في حرب الثمانينات. سيل الاتهامات الذي يوجه للجبوري يكشف مدى انعدام الثقة بين السنة وقياداتهم.

ايران لا تريد القضاء على مشروع خطير كالدولة الاسلامية ثم لا تحصد سوى انتقام الدول السنية، هي تريد شيئا اطلق عليه الـ "گراند ديل" أي اتفاق عالمي شامل مع الدول العظمى على حصتها من المنطقة والاعتراف بدورها. وهذا طبيعي فستالين قضى على النازية مثلا فكانت حصته نصف ألمانيا وأوربا الشرقية أليس كذلك؟ اذا ايران ستقدم مليون قتيل شيعي للقضاء على داعش، فهي تريد مكافأة مقابل ذلك. اي أنها تريد لمشروعها أن يكون هو البديل، وفي هذه النقطة بالذات رفعت المملكة العربية السعودية يدها القوية، لأنها لا تريد صفقة ايرانية على حساب الأراضي العربية. العالم العربي كله يتطلع اليوم الى السعودية كآخر رجاء عربي مناهض للمشروع الصفوي.