مهاباد وغباء الطائفيين العرب

لم تكن للأكراد في التاريخ دولة. مهاباد هي الدولة الكردية الوحيدة التي جرى اختراعها في ايران ولم تدم سوى أحد عشر شهرا ومن ثم تمت ازالتها.

عام 1946 بدأ بالنسبة للأكراد ورديا وانتهى أسود.

كانت مهاباد واحدة من ألعاب الامم. حين رأت روسيا أن عليها أن تهب الغرب شيئا لم تر بدا من التفريط بجمهورية الأكراد.

رفعت روسيا حمايتها عن مهاباد فضاع الأكراد.

كذلك القضية الكردية في العراق فإنها لم تكن إلا اختراعا شيوعيا.

حين ضاقت به السبل لجأ الملا مصطفى البرزاني إلى الاتحاد السوفييتي ولم يعد إلى العراق إلا بعد أن ضمن الزعيم عبدالكريم قاسم سلامته.

ما عاشه الأكراد في العراق من هناءة في ظل كل الحكومات الوطنية المتعاقبة لم يكن الأكراد في البلدان الآخرى يحلمون بجزء منه.

كانت هناك دائما حرب، غير أنها كانت حربا يفرضها الأكراد على الحكومة.

ولا ابالغ ذا ما قلت إن اتفاقية الحكم الذاتي (بيان 11 آذار 1970) كانت مثالية في اعترافها بحقوق الأكراد القومية.

تاريخيا لا يزال للعراق قصب السبق في مجال الاعتراف بالحقوق القومية للأكراد. فالدول الثلاث الآخرى التي يقيم على أراضيها الأكراد وهي سوريا وايران وتركيا لا تزال رسميا تمنع الأكراد من التحدث بلغتهم.

كان في إمكان الزعماء الأكراد أن يقيموا مهاباد الحقيقية على أرض العراق في المرحلة التي تلت اتفاق آذار. غير أن ارتباط اولئك الزعماء بايران الشاهنشاهية هو الذي أحبط ذلك الحلم النظيف. حين عقد العراق وايران اتفاق 1975 في الجزائر خسر الأكراد فرصتهم الذهبية في الحكم الذاتي.

ومع ذلك فقد كان أكراد العراق في ظل أقسى الظروف التي مروا بها أفضل حالا من أشقائهم في البلدان المجاورة. ففي سوريا وتركيا وايران تحرم القوانين على الأكراد أن يتحدثوا بلغتهم أوأن يسموا أبناءهم بأسماء كردية. حدث في مطار ستكهولم ذات مرة ان رفضت الخطوط الجوية التركية سفر مواطنة تركية على متن احدى طائراتها لأن اسمها كان "كردستان".

وكما يبدو فإن ظروف العراق المأساوية كانت قد سمحت للأكراد بالتمدد في خيالهم. فبعد حرب الكويت وحصار العراق وفرض منطقة الحظر الجوي شعر الزعماء الأكراد أن مزاج العالم قد تحول لصالحهم فسارعوا إلى ادارة ظهورهم لبغداد وصاروا يؤسسون لدولتهم المستقلة.

اما حين عزمت الولايات المتحدة على غزو العراق فقد كان الزعيمان الكرديان أول المرحبين بذلك الغزو. ربما لأنهما وجدا فيه فرصة للتخلص واقعيا من عبء الارتباط بالعراق. فكان أن روجا بعد الاحتلال لفكرة أن الأكراد اختاروا الارتباط بالعراق طوعا ولهم الحق في أن ينفصلوا عنه متى يشاءون.

سعى مسعود البرزاني عبر السنوات الماضية إلى تكريس واقع الانفصال، مهددا به من غير أن يفرضه، بسبب ما كان يدر عليه الارتباط الصوري بالعراق من أموال مستقطعة من ايرادات العراق من النفط.

في ظل ذلك الواقع الانفصالي نجح البرزاني في استبعاد خصمه اللدود جلال طالباني حين فرضه رئيسا دستوريا على العراق، فكان أن صار منصب الرئاسة في بغداد من حصة حزب الاتحاد الوطني (الكردي).

وكما ارى فإن كل النجاحات التي حققها الأكراد لم تصدر عن ذكاء كردي بل عن غباء عربي، مرده سعي الاحزاب الطائفية السنية والشيعية على حد سواء إلى وأد العروبة قاسما مشتركا بين سكان العراق العربي وتوزيعهم بين طائفتين تقتتلان. ولم يكن الأكراد بعيدين عن اللعب على حبال تلك الفتنة.

كان احتدام الصراع الطائفي مناسبة التهم الأكراد فيها الكثير من الاراضي ليضموها إلى امارتهم بذريعة كونها من المناطق المتنازع عليها.

يوما ما سيصحو العراقيون من غفلتهم ليكتشفوا أن الجزء الاكبر من بلادهم صار كرديا وأن مهاباد التي محاها الروس تقوم مرة آخرى، لكن في العراق بسبب غباء طائفييهم.