فرساي لزمن عربي مهزوم

وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها، رسميا، بعد توقيع معاهدة فرساي في باريس سنة 1919 وكانت، بحق، معاهدة اذعان من قبل المهزومين لشروط المنتصرين في تلك الحرب. ولعل المانيا هي الخاسر الاكبر بين الدول الاخرى (الامبراطورية العثمانية والامبراطورية النمساوية المجرية وبلغاريا) في تلك المعاهدة، اذ فرض عليها دفع تعويضات مالية خرافية وتحجيم قوتها العسكرية، بهدف جعلها دولة معاقة ومشلولة اقتصاديا، اضافة الى الإهانة المعنوية المتمثلة بتحميلها مسؤولية الحرب.

الاّ ان المفارقة الحقيقية في تلك المعاهدة، تتمثل في تمخضها عن اعلان تأسيس عصبة الامم، بغية ايجاد مؤسسة عالمية لحل المشاكل وتفادي نشوب حرب اخرى! وربما لم يعلم المنتصرون انهم بما فرضوه من جور على الشعوب، هيأوا الاوضاع لحرب اخرى اشد خطورة وقسوة من السابقة، لأنها ستكون حرب انتقام وثأر وانتصار للكرامة، لا سيما حين يغدو ذلك ثقافة شعب، تبحث عمن يستثمرها سياسيا ليدفع باتجاه الحرب التي ستكون مطلبا شعبيا، بعد ان أهينت الناس وفقدت مصادر عيشها الاساسية، نتيجة نهب اموالها باسم التعويضات، وهو ما حصل فعلا بعد ان اندفع الشعب الالماني او غالبيته، وقتذاك، خلف مجموعة معبأة بروح الثأر والانتقام بزعامة هتلر، الذي لم يكن ما قام به سوى سبب مباشر لاندلاع الحرب العالمية الثانية، لأن الاسباب غير المباشرة او الحقيقية، صنعها اعداؤه او اعداء الشعب الالماني المجروح بكرامته ولقمة عيشه، لتغدو عصبة الامم مجرد اوراق زائفة، احرقتها اولى عواصف نار تلك الحرب المجنونة.

منطقتنا اليوم تشهد واقعا شبيها بواقع اوروبا في الحرب العالمية الاولى، والامر لا يحتاج الى تأكيد. فالخسائر البشرية مروعة والمادية مهولة والمعنوية اكبر من ان يتخيلها أي متشائم قبل عشر سنوات. وان الاسباب الحقيقية لما يحصل لا يمكن اختزالها بوجود انظمة سيئة او دكتاتورية، لأن اللعبة اكبر من ذلك بكثير، أي ان اعادة ترتيب اوضاع المنطقة الغنية والحساسة من العالم وتقعيد الواقع السياسي والاقتصادي فيها، لا بد ان يكون منسجما مع رؤية الاقوياء الذين يتحكمون بمصير العالم اليوم، وان هذا يستدعي اعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة من خلال افتعال هذه الحرب المدمرة التي زجت فيها الشعوب بطرق لم تخطر على بال الشيطان نفسه، وصارت الناس في كل دولة تتقاتل فيما بينها، بسبب اهداف منافية للعقل، تبنتها مجاميع ظلامية، تمثل اقنعة تلك القوى الكبرى لتنفيذ مشروعها، لجعل الشعوب منهكة وخائرة القوى على مختلف المستويات وتصبح في حال لا تطلب فيه سوى السلام، او بالاصح الاستسلام لهذا المخطط الجهنمي الذي سيفتح ابواب المستقبل على نزاعات دموية قادمة يصعب ايقافها، لأنها ستكون بمثابة حروب وجود وحدود وثارات متوارثة.

لننظر الى كيفية تعامل الاقوياء مع الاحداث في السنين الاخيرة، لنتأكد من اننا توزعنا بين "فرسايات" متعددة، أي بمؤتمرات صلح على غرار مؤتمر فرساي، وبتسويات فاشلة مفروضة من الخارج، فبدءا من العراق الذي فرض عليه واقع سياسي بقوة الاحتلال الاميركي، مرورا بليبيا التي تشهد اليوم مؤتمرات فرساي متعددة لفرض واقع سياسي جديد، بعد ان أغرقت بالدم، ومن ثم اليمن التي تتخبط بالدماء هي الاخرى وستفرض عليها تسوية معينة، لا احد يعرف كيف ستكون، والامر نفسه مع سوريا التي دمرت بالكامل ولا نستطيع ان نتكهن كيف سيكون شكلها بعد ان تنتهي الحفلات "الدبلوماسية" التي يدعى اليها السوريون بين مدة واخرى، لصناعة دولة جديدة! وايضا لا احد يرى أي من دول المنطقة الاخرى مرشحة للدخول في هذه اللعبة الدموية التي يقول الاقوياء في العالم انها قد تستمر لثلاثين عاما!

هل نحتاج الى القول، اننا جميعا، واقصد شعوب الدول العربية، نمثل بتمزقنا المهين، الذي وصلنا اليه بعد اختراقنا طائفيا، الطرف المهزوم الذي عليه ان يتحمل استحقاقات الحرب مستقبلا، بعد ان تنتهي هذه "الفرسايات" الى الفشل مثلما فشل مؤتمر فرساي في باريس في فرض السلام على العالم من خلال عصبة امم لم تصمد اقل من عقدين قبل ان يندفع نهر الدم مرة اخرى في اوروبا، لأن الاساس كان باطلا وانتهى الى خراب؟