أحبه كلش!

كاظم السعدي لم يكن مخلصا أو معتدا ببراعته الشعرية

مثل كل الأشياء التي تغيرت، الشاعر الغنائي وضع لنفسه مواصفات مختلفة، بتعبير أدق مواصفات متكيفة مع ذائقة مختلفة، مع أنه مثل كل الشعراء يريد إعادة تركيب العلائق بين الكلمات في لغة تفاجئ المسامع.

الشاعر الغنائي ليس كما كان، ويبدو أنه افتقد الحنين لأيام كتب فيها دفقات تعبيرية ليس بمقدور تغيّر الحياة أن يغيرها، لذلك لا يمكن أن ننسى الأغاني عندما كانت تسمى أغاني، لأننا اليوم بحاجة إلى تسميات جديدة لما اعتاد أن يسمى بالغناء.

ومن هذا الجديد استمعت إلى أغنية منحتني تسلية طريفة من دون أن تثير مشاعري، وعدت أرددها مع نفسي في محاولة لتحليل مضمونها، بعد أن أدركت أن شاعرها على درجة من الذكاء الإبداعي في تركيب جمله عندما وظف قافية صعبة وثقيلة ممثلة بحرف الشين ثقيل النطق.

فهو استخدم مفردة “كلش” التي تعني جدا والشائعة في اللهجة العراقية “أحبه كلش” واستعان بجملة “عجل يابة حبيبي” الشائعة أيضا في بيئة عراقية في المقطع الثاني من الأغنية، عندها كان عليّ أن أعرف شاعر هذه الأغنية.

ولم أتفاجأ عندما عرفت أنه كاظم السعدي، لأنه شاعر عرضة للتغير وفق تغير الذائقة ولم يكن مخلصا أو معتدا ببراعته الشعرية، ذكاؤه الشعري جعله يوظف لهجة المكان حيث يقيم منذ سنوات في دبي وأدخل مفردة “يدش” التي تعني في اللهجة الخليجية يدخل، وهكذا امتلكت هذه الأغنية مواصفات التسلية بامتياز في البيئة العربية لأنها تجمع الشائع بالمحكي في غناء سريع.

لكن هل تكتفي الأغنية بهذه المواصفات، وهل التسلية أهم ما تقدمه الأغنية اليوم؟ شاعر مثل كاظم السعدي أرخ لتاريخ من الحنين في تعبيرية بارعة منذ سبعينات القرن الماضي، لماذا يكتب مثل هذه الأغنية؟

نجاح الأغنية ليس كما الزعم الشائع مرتبطا بظروفها، والكم الذي يرددها والمحطات التي تعيدها، كل هذه أسباب تجارية لا تمت بصلة لذائقتنا السمعية.

الأغنية بتعريف حسي هي التي تباغتنا في لحظة أمل أو سعادة أو ألم حتى بعد عقود من أدائها. لذلك لا تنسى الأغاني وينسى من يدخل عليها عنوة!

لطالما حدثني كاظم السعدي عن ولعه بأغنية كتبها أبان عقد الثمانينات ولحنها سرور ماجد لصوت قاسم اسماعيل

ياعين وتقولين خل نسامحه

من بعد ما بكاك ليلة البارحة

مشطي الجفن بالدمع

ذوبني مثل الشمع

ما مدلك ايدي واكول مصالحه

كان يضعها مثالا متميزا لمعنى أن تكون الأغنية، وقدرتها على اكتشاف العمق الكامن في دلالة المفردات، وبمستوى تعبيري عميق.

لكن السؤال الذي لم يعد مجديا إطلاقا، لماذا لا يكتب كاظم السعدي مثل هذه الأغنية اليوم، ويتسلى بأغنية “أحبه كلش”؟