الإصلاحات.. بين وفد الكوفة والمأمون

يذكر ان وفداً من اهل الكوفة، ذهب الى الخليفة العباسي المأمون يشكو الوالي، فقال رئيس الوفد مخاطباً الخليفة: "هو شر عامل على الارض، اما اول سنة وليّ فيها علينا فانا بعنا اثاثنا وعقارنا، وفي السنة الثانية بعنا ضياعنا وذخائرنا، وفي السنة الثالثة خرجنا من بلدنا، فاستغثنا بأمير المؤمنين، يرحم شكوانا ويتطوّل علينا بالامر، بصرفه عنا - أي عزله". لكن الخليفة كان له رأي آخر، اذ رد على رئيس الوفد بالقول: "كذبت، بل هو رجل أحمدت سيرته ومذهبه وارتضيت دينه وطريقته، واخترته لكم لمعرفتي بكثرة سخطكم على عمالكم!" وهنا جاءت حصافة رئيس الوفد لتحرج الخليفة، اذ قال له: "يا امير المؤمنين، صدقت وكذبت انا، ولكن هذا الوالي الذي ارتضيت دينه وامانته وعدله وانصافه، كيف خصصتنا به هذه السنين دون سائر البلاد حتى يشملهم من انصافه وعدله مثل الذي شملنا!"

يقال ان هذه الاجابة احرجت الخليفة ولم يجد امامه إلا ان يقبل طلبهم بعزل ذلك الوالي.

هذه الواقعة التي نقلناها من بطون التاريخ، تعيد نفسها في عراق اليوم، اذ ان هناك عددا غير قليل من المسؤولين الذين وصلوا الى مواقعهم في غفلة من الناس، ولا تزال احزابهم او كتلهم السياسية تصر على الدفاع عنهم، بعد ان وزعتهم بين دوائر الدولة ومؤسساتها، من دون ان يكونوا مؤهلين للمسؤولية. ونحن هنا لا نعمم، ولكن نقول هناك غالبية عممت جهلها وفسادها على المؤسسات الخدمية وغير الخدمية، وخلقت واقعاً مزرياً لم تعد تحجبه عن الانظار دفوعات المدافعين عن هؤلاء الفاشلين والمفسدين، واكثر ما يثير الالم في النفوس، انك تجد كل حزب او جهة لها مسؤول او وزير في الدولة، يتعرض الى نقد من قبل الناس او من مسؤوله الاعلى، تسارع الى القول بأن هناك "دوافع سياسية" من وراء ذلك! وقد يكون هذا الكلام صحيحاً، لان الجهة المنتقدة لم يكن "رجالها" من المسؤولين بأفضل حال من هذا المسؤول، وهكذا ضاع حق المواطن العراقي في الخدمات والنزاهة بين هذه المناكفات والصراعات، التي يبدو انها لا تنتهي، لأنها باتت تشبه الجدل البيزنطي، ولسان حالهم جميعا يقول، اذا كان المسؤول من حزبي فاسدا وغير كفء وتريد ابعاده، فلماذا لا تبعد المسؤول من حزبك ايضا، وهكذا استمر الحال على ما هو عليه وصار يزداد سوءا منذ اكثر من اثني عشر عاما.

الاصلاحات التي ينوي رئيس الوزراء العبادي اجراءها، والتي ستشمل تغييرا جذريا في وزارات ومؤسسات الدولة، اذا ما اخذت طريقها الى التطبيق، فانها ستكون بداية لإنهاء هذا الجدل الطويل الذي دفع الشعب ثمنه من لقمة عيشه وامنه وأعصابه، وحتى كرامته وهو يرى دور العراق يتراجع على مختلف المستويات، بينما الفاسدون يتنعمون بخيرات البلد المنهوبة. وستمثل هذه الاصلاحات بداية امل قد يفضي الى واقع سياسي جديد لا نعتقد ان المتنفذين في الدولة سيسمحون بتحققه او يستسلمون اليه بدون مقاومة ولو من خلف الكواليس، بالرغم من انه مطلب المرجعية الدينية وخلفها شعب يتطلع لواقع يعبر عنه وعن امنياته في حياة كريمة.

لقد سئمنا من ردود "الخلفاء" الجدد وهم يدافعون عن "ولاتهم" الذين دمروا الدولة، واذا كانوا يرونهم صالحين والشعب بطبيعته ساخط باستمرار (وفقا لتعبير المأمون)! فاننا نرغب ان تستفيد دول الجوار من هؤلاء الولاة الصالحين (وفقا لتعبير رئيس وفد الكوفة)، وان لا يبقى نشاطهم الاصلاحي محصورا في حدود العراق، لانهم ادوا واجبهم هنا على اكمل وجه، وعليهم ان يكفونا شرهم ويرحلوا!