ما أحوجنا لساسة طائفيين!

يتميز الانسان الوطني عن غيره في كونه يعبر عن حبه لوطنه بالعمل وليس برفعه للشعارات، وقديما قيل لنا في كتب التربية الوطنية؛ ليس كل من ينادي بالوطنية وطنيا، ما لم يجسد ذلك في سلوكه ومواقفه.. والامر لا يختلف مع معتنق أية عقيدة، اذ ان الناس لا تسقط عليه تلك العقيدة او تنسبه اليها ما لم يكن سلوكه يدل على ذلك، وفي كل الاحوال يبقى هناك المعتدلون وايضا المغالون، الذين يرون شعوبهم او عقائدهم افضل من غيرها ويتعالون على الآخرين، فيسيئون الى القيم الانسانية التي يجب ان تبقى هي القاسم المشترك الذي يوحد جميع البشر ويجمعهم على حب الخير والفضيلة.

وفي مسألة الاديان والطوائف، لا يختلف الامر كثيرا، أي ان كل انسان يحب الدين او الطائفة التي ينتمي اليها ويعمل على ان يقدمها للآخرين على انها مثال يحتذى، اذا كان ملتزما تعاليمها.

وهو مسعى انساني تشترك فيه جميع الشعوب على اختلاف اديانها ومذاهبها، ويبقى هذا في اطار الجدل والحوار الانساني الذي يغني الحياة، ما دام يحصل بطرق سلمية ومشروعة.

في عراق ما بعد 2003 اصبحت اليد الطولى لاحزاب الاسلام السياسي، وبما ان الاديان منقسمة بين طوائف عدة، شاعت لدينا عبارة الطائفية او الطائفي بشكل غير مسبوق، سواء في الاعلام او من خلال مناوشات الساسة لبعضهم! والعبارة تعكس لمن يسمعها صورة الشخص او الحزب الذي لا يعنيه من شعبه سوى ابناء طائفته.

يعمل على ان يجعل يدهم هي العليا في كل شيء ويسعى من اجل ان يستحوذوا على افضل المواقع والوظائف والاموال، بحكم كونه منتميا وبتعصب للطائفة، ويعتقد ان في خدمتها طريقا يوصله الى مرضاة الله، لأنها وفق رؤيته هي الحق وما دونها هو الباطل، وهكذا يحوز هذا الشخص او الحزب على صفة الطائفي او يوصف كذلك!

لكن الذي حصل ويحصل فعلا في العراق شيء غريب حقا، اذ ان القوى والاحزاب التي تتهم او توصف بالطائفية، عكست صورة اخرى تماما وعصفت بهذه الفكرة من رؤوسنا، فهي تفرح وتهلل بداخلها عند وصفها بالطائفية، بالرغم من كونها شتيمة، لاعتقادها ان هذا الاتهام يكرس صورتها كمدافعة عن الطائفة وممثلة لها، بل ترى ذلك بمثابة مكافأة للحزب او السياسي الذي يتلقى هذا الاتهام من الآخر، لأنه باتهامه له بالطائفية يعزز مكانته وموقعه بين ابناء الطائفة كما يعتقد، ويطرحه على انه المعبر عن تطلعاتهم، او قل هذا ما ظل الاعلام والساسة انفسهم يصورونه لنا طيلة السنوات التي مرت، ومرت معها اشكال مختلفة من الحرمان والقهر والخوف الذي تقاسمته الناس بمختلف انتماءاتها الطائفية والدينية، بينما الساسة المتصارعون ممن يوصفون بالطائفيين، يجتمعون على مصالحهم الخاصة في البرلمان ليشرعوا لانفسهم الامتيازات الخرافية، ويتقاسموا الغنائم ويوزعوا المناصب بين احزابهم وكتلهم، بكل ود واريحية، لكنهم في الاعلام يتبادلون الشتائم ويصف كل طرف الطرف الآخر بالطائفية او الانحياز لطائفته على حساب الاخرى!

وكأنهم متفقون على هذا السيناريو الذي حقق لهم ما كانوا يحلمون ولا يحلمون به، وبعد كل هذا يصر البعض على وصف ساستنا بالطائفيين.

لا ندري اين تكمن مصلحة الطائفة التي يريد لها بعض الساسة ان تغدو كانتونا باسم الاقليم، تتحكم به هذه الدولة او تلك من دول الجوار؟ ولا ندري ايضا اين تكمن مصلحة الطوائف التي يسعى البعض لإنشاء جيش لكل واحدة منها، مع ان حماية الجميع هي مسؤولية الجميع ممثلا بالدولة ومؤسساتها؟ ولا ندري اين مصلحة الطوائف بتقسيم الثروات على المناطق بدلا من جعلها تتكامل لتكون اكثر وأهم وأعم فائدة لكل الشعب الذي سيصبح بكل طوائفه غنيا وقويا بدلا من اقاليم متناحرة هزيلة؟

الحقيقة التي يعرفها الساسة هؤلاء قبل غيرهم، هي ان مصلحة الطوائف والاديان والاعراق تتحقق للجميع من دون استثناء، اذا تصرفوا على انهم يخدمون بلدا واحدا وشعبا واحدا تتعايش بداخله الطوائف والاديان والاعراق، وبذلك تتحقق مصلحة الطائفي الذي يريد ان يخدم طائفته، من دون الحاجة لأن يعلن عن ذلك في الاعلام، ليستغفل البسطاء كي يغدو بنظرهم حاميا لحمى طائفتهم، او مذهبهم بينما هو يعمل لمصلحته الشخصية، وهذا ما يحصل اليوم في عراق الساسة المنتحلين صفة الطائفيين!