قوائم انتخابية مبكرة!

في شتاء العام 1724 وبينما كان القيصر الروسي بطرس الاكبر يقوم بنزهة بحرية، لمح احدى السفن وهي في طريقها الى الغرق، فقذف بنفسه الى مياه البحر واسهم في انقاذ الغرقى. وقد اصيب بسبب عمله الذي وصف بالفريد، بنزلة برد اعقبتها حمى شديدة، أدت الى وفاته، بعد عدة اسابيع.

بصراحة، لم اطلع بشكل جيد على سيرة هذا القيصر، لكن هذه الواقعة اختزلتها عندي، بصورة اتمناها لكل زعيم وطني، يضحي بحياته من اجل شعبه، او من اجل اناس يحتاجون المساعدة، وان لم يضع في حساباته مسبقا، انه قد يموت لأجلهم بالطريقة التي مات فيها هذا القيصر الشهيد.

العملية السياسية في العراق، تشبه تلك السفينة المضطربة، لكن المشكلة تكمن في ان حمولتها باتت من "القياصرة" والناس معا، ولا يوجد خارجها قيصر كبطرس الاكبر مستعد للتضحية، ليس بحياته، بل بمنصبه او ماله من اجل انقاذها، او انقاذ من بداخلها، والاهم من ذلك ان الذي يحاول الانقاذ، لن يسمح له بذلك، كي لا يفوز باعجاب الناس ورضاهم ويكون هذا على حساب منافسيه الآخرين، لأن العملية السياسية باتت اشبه بالاقطاعيات، بفعل طبيعتها التي قامت على اسس طائفية وعرقية، جعلت من الصعب، ظهور المنقذ الذي يتفق عليه الجميع، كونه محكوم عليه مسبقا ان يدخل بصوته الطائفي او العرقي، او يبقى خارج اللعبة كلها، ما يجعل مشروعه، مصبوغا بصبغة جهوية شاء ام ابى!

لقد صرخ العقلاء من قبل، ان العملية السياسية قامت على اسس مغلوطة، اغرقت سفينتنا او تكاد تغرقها، في الاقل عندما نتحدث بتفاؤل عن واقعنا اليوم، فالدولة تقوم بمؤسساتها وليس بالاشخاص فيها، وهذا لا يعني التقليل من دور الاشخاص، لكن كيف لهؤلاء ان يقوموا بدورهم، حتى وان كانت لديهم العزيمة والهمة للنهوض بالواقع وهم يقفون على رؤوس مؤسسات تتعامل معها الاحزاب والقوى الماسكة بالدولة على انها غنائم، وقبل هذا وذاك لا يسمح بالدخول الى تلك المؤسسات من غير بوابة الطائفة او العرق، الامر الذي عطل دورها ودمر الدولة، لأن "قياصرة" العملية السياسية، هم وحدهم من يحق لهم اختيار الذين يشغلون المؤسسات، وكل جهة تحاول ان تأتي بمن تراه مواليا، لا كفوءا، وبذلك امتلأت الدولة بكوادر اسهمت وما زالت تسهم في اغراق البلاد والعباد في فوضى انتهت بنا الى هذا الحال.

لقد كان الاختلاف حادا، كما نتذكر، على اختيار اعضاء المفوضية العليا للانتخابات، لان كل جهة تريد ان يكون لها صوت يمثلها في هذه المؤسسة الحساسة، والامر لا يختلف مع الهيئات المستقلة الاخرى، او التي يفترض ان تكون مستقلة، وبذلك فقدت جميعها صفة الاستقلالية. وكذلك اختلفوا على النشيد الوطني، وعلى قانون الاحزاب، ويختلفون كل عام على الموازنة، وعلى الصلاحيات، وعلى شكل الدولة، وعلى مفاهيم معروفة للجميع، كالحرية والديمقراطية، وغيرها الكثير الكثير، ما جمّد الحياة وعطل التنمية، وهكذا باتت سفينتنا عالقة بمحنتها في عرض البحر، فيما العالم من حولنا يسير بخطى حثيثة نحو البناء والتقدم.

ان الطريقة التي سيتم بها اختيار الكابينة الوزارية (الاصلاحية)، والتي اتت على خلفية الاحتجاجات المليونية، لا تعدو كونها قوائم مبكرة للانتخابات القادمة، لأن الكتل السياسية كانت قد ضمت بين مرشحيها في الدورات السابقة شخصيات مستقلة، تحركت عليهم الاحزاب لتحصد بواسطتهم الاصوات و"تشلعهم" من حقل الشعب الواسع لتزرعهم في مزارعها او اقطاعياتها الخاصة، وان الوزراء القادمين ممن سيؤتى بهم من قبل الكتل الى الكابينة الوزارية، هم مرشحون قادمون ضمن قوائم تلك الكتل، لكن ترشيحهم هذه المرة اتى مبكرا لا اكثر.

فيا بطرس الاكبر، نناديك طيفا، لتشبع احلامنا بخلاص، يئسنا من تحققه من خلال هذه العملية السياسية، التي سنختفي معها في قاع البحر، ان بقيت تنظر الينا ولا تحرك ساكنا ايها المنقذ، فلا تخف من الحمى ان اتتك، فالافعال الكبيرة تحتاج الى مضحين كبار... مثلك.