'عطّابة' إصلاحية لصداعنا المزمن!

مما نتذكره من حكايات اهلنا وهم يكابدون واقعهم المر في السنين الخوالي، حكاية "العطّابة" التي ادركها بعضنا، ممن كانوا يعيشون في الارياف تحديدا، قبل اربعة او خمسة عقود. والعطّابة هي علاج للصداع تستخدمه الجدّات او العرّافات وقتذاك، وتتكون من قطعة قماش تلف فيها كمية من الرز غير المجروش، تغمس بالماء الساخن وتوضع على مناطق معينة من الرأس الذي يعاني الصداع، فيهدأ المريض ويشعر بالراحة، لكنه لا يشفى. وهكذا كان الناس يموتون في الغالب مبكرين. لأن العلاج الناجع غير متوفر، والامراض كثيرة والاجساد مرهقة من فرط اللهاث وراء لقمة العيش الهاربة باستمرار.

يقول اهل العلم، ان العطّابة ليست خالية من اية فائدة كما كنا نتصور ونتندر على اهلنا حين يتحدثون لنا عنها، أي انها جاءت نتيجة خبرة الناس في معالجة امراضهم وبقدر ما كان متاحا لهم من وسائل. فدواؤهم الساخن هذا يوفر انتشارا هادئا للحرارة على مساحة واسعة من الرأس. فيحصل تمدد في الاعصاب والخدر يعقبه شعور المصدوع بالراحة، ويعتقد انه شفي، لكنه في الحقيقة تجاوز الالم مؤقتا، وعليه اذا كان دائم الصداع ان يتحمل كي العطّابة باستمرار.

كثر الحديث عن علاج لواقعنا السياسي المأزوم، وكثرت التحليلات التي تتناول هذه الكتلة السياسية او هذا السياسي بالذم او بالمدح، وهكذا ضاعت على الناس حقيقة المرض الذي يعانيه العراق منذ اكثر من ثلاثة عشر عاما، حتى وصلنا الى ما وصلنا اليه بعد ان ظل العلاج لمشاكلنا يتم بواسطة العطاّبة، ليستفحل المرض ولم تعد العطّابة مجدية بالرغم من ان البعض لا يزال مصرا عليها ويعتقد انها السبيل الاسلم للخلاص من اوجاعنا المستمرة.

ما هو مرضنا اذن؟ سؤال يطرحه الجميع وللجميع ايضا اجابات تتقارب وتبتعد ايضا، وبعضها يوارب في اجابته تحاشيا للحرج، وبما ان العرف يقول بأنه لا حرج في الطب، فان علينا ان نتحدث عن مرضنا بصراحة لكي نجد العلاج الناجع.

لا احد يشك في ان العراق بعد الاحتلال الاميركي، صار ميدانا لصراع القوى الاقليمية والدولية، ولكل جهة حجتها في التدخل، وقد اثمر هذا الواقع اقامة جهويات سياسية متنافسة ليس من اجل بناء البلاد، وانما تتصارع تنفيذا لأجندات هذه الدولة او تلك. بعد ان اسهمت كل واحدة في بناء ودعم الجهة السياسية التي تمثلها في العراق، وتحت مسميات ومبررات مختلفة تلتقي جميعها عند هدف واحد، هو مصالح تلك الدول على حساب المصلحة الوطنية العراقية كنتيجة لهذا التشتت السياسي الذي تكرس بشكل غير مسبوق، واصبحت الخلافات بين الجهات السياسية ضرورة يجب ان تغذى باستمرار من الخارج، لادامة اسباب التدخل في العراق وادامة اضعافه ايضا، لانه حين يعود قويا سيكون في غنى عن اية دولة وهذا يجب ان لا يكون.

اليوم نشهد صراعا اقليميا حادا على العراق، والاصلاح عنوانه المزدوج الذي تستخدمه كل جهة، وهي تنفذ اجندة القوة الاقليمية التي تقف وراءها، فمعظم القوى السياسية تدرك ان اصلاحا حقيقيا اذا ما تم فسيتجاوزها، أي ستكون مستقبلا خارج اللعبة السياسية وتغدو غير مفيدة لمتبنيها، وهذا يجب ان لا يحصل ايضا، ومن هنا فان الازمة ستطول، وان ما نراه اليوم يمثل عرضا لمرض متأصل في جسد العملية السياسية، اذ كيف يمكن ان تقبل كتلة ما ان تقول عن نفسها انها كانت وراء الخراب الذي حصل، وتستغني عن وزرائها لصالح تغيير يتم على يد كتلة سياسية منافسة؟ وهل هناك من يضحي بمصالحه من اجل العراق؟ لا اقصد فقط القوى الاقليمية والدولية فقط، وانما حتى القوى السياسية العراقية نفسها التي ارتبط مصيرها ووجودها بالمناصب والثروة التي تجلبها لها، بقدر ما ارتبطت او ارتهنت للخارج، وهكذا علق العراق بهذه الاشكالية المعقدة.