طلاق صامت في برلمان صاخب

بعد ان ضاق بها ذرعا وبات العيش معها مستحيلا، قرر رجل ان يطلّق زوجته، لكن الاخيرة كانت معتدة كثيرا بنفسها، ولم تتحمل ان يقال عنها بين الناس، لا سيما النساء، انها مطلقة, وامام اصرار الرجل على الطلاق واصرارها ان لا تكون صفتها القادمة كذلك، اتفقا على حل وسط، اذ عمدا الى ما يسميه الباحثون في علم الاجتماع بالطلاق الصامت، أي ان يبقيا امام الناس بصفتهما زوجين، لكنهما في الواقع منفصلان، لتحتفظ هي بكبريائها وينطلق هو باتجاه حياته الجديدة بعيدا عنها.

لا ادري ان كانت هذه المقاربة مناسبة لواقعنا السياسي اليوم - بعد ان طرح رئيس الوزراء العبادي كابينته الوزارية الجديدة المقترحة من التكنوقراط امام البرلمان قبل ايام - ام لا، لانها كانت اعلانا ضمنيا عن طلاق حقيقي بين الشعب والقوى السياسية التي جثمت على صدره لمدة ثلاثة عشر عاما لم ير خلالها إلا كل ما هو مؤلم ومدمر للأعصاب، ولم يكن امامه من خيار سوى الطلاق لينطلق باتجاه حياة جديدة او امل جديد ربما يتحقق مع غيرها.

لا يداخلنا الشك ابدا في ان القوى السياسية العراقية بعد العام 2003 لم يكن اغلبها سوى اقنعة لقوى اقليمية ودولية ارادت ان تملأ الفراغ الذي احدثه الاحتلال الاميركي، لتضمن لنفسها مكانا ثابتا في دولة باتت مباحة بأرضها وثرواتها وبشرها ايضا امام الجميع، وعلى كل جهة او دولة يمكنها الدخول ان تستخدم كل ادواتها لتثبّت اقدامها في العراق من خلال قوى واحزاب ظلت طيلة السنوات الماضية تعمل وفقا لاهواء ومزاج مرجعياتها الخارجية، وهذه صارت تتنافس فيما بينها من خلال فسح كل جهة المجال لوكلائها المحليين من العراقيين لاشغال المواقع المختلفة في مفاصل الدولة، ليغدو الصراع على المناصب خاضعا لهذا المزاج الغريب، لأن الموقع لم يعد للخدمة بقدر ما اصبح مساحة نفوذ لهذه الدولة او تلك، وصار البحث عن الأكثر ولاء وخدمة واخلاصا للمرجع هو الاقرب الى المنصب والوظيفة بكل ما يتأتى منهما من مال وجاه ونفوذ شخصي له او لجهته الحزبية المرتبطة بجهتها الخارجية اصلا.

مشروع الاصلاح الذي نحن بصدده الآن، اذا ما وصل الى نهاياته بشكل صحيح، فإنه يعني ان المخالب الاقليمية والدولية التي انغرزت في جسد الدولة العراقية، ستنتزع، وهذا يعني ان المرجعيات الخارجية للقوى الماسكة للسلطة في العراق قد خسرت نفوذها المتحصل من خلال هؤلاء، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان، مذكرين هنا ان الكثير من المناصب الحساسة في الدولة العراقية، كانت قد شغلت من قبل اشخاص تم التوافق من قبل جهات عدة على منحهم تلك المناصب لتوقيتات معينة، وهذه حقيقة معروفة، لأن المشروع المعد لعراق ما بعد العام 2003 ينتهي الى شكل جديد للدولة في مدة زمنية داخل التوقيتات المشار اليها وهو ما لم يتحقق لاسباب كثيرة، وبذلك خرج هؤلاء من مواقعهم وانتهت عقودهم وعليهم ان يبحثوا عن عقود جديدة، او هكذا جرت الامور امام اعيننا ومن دون اقنعة هذه المرة.

هل سارت عجلة الاصلاح وكواليسه من دون تدخلات دولية واقليمية؟ اعتقد ان من السذاجة ان يفكر أي عراقي بذلك، لكننا نعرف ايضا ان تطورات الساحة الساخنة اقليميا واتفاقات الكبار فيما بينهم بشأنها، انتهت او ستنتهي الى تسويات كبرى لا نعرف بالضبط ماهيتها، لا سيما في سوريا، الاّ ان الذي دفع باتجاه تغيير الواقع السياسي في العراق هو ضغط الشارع الذي جاء في لحظة تاريخية مناسبة لينجب واقعا جديدا، نأمل ان يكون جديدا فعلا، وان كان شبيها بحادثة طلاق صاحبنا من زوجته التي هجرها الى الابد كزوجة وان ابقى عليها شكلا كزوجة امام الناس، وهو ما تشعر به الكتل السياسية التي طلقها الشعب العراقي بالثلاث، ليترك لها مكانا مؤقتا في مبنى البرلمان... الى حين.