عاصفة الحزم والحشد الشعبي في العراق

اذا كان أهل الأنبار يضعون العدس في زجاجات الماء ويلقون بها الى الفرات، على أمل أن يحملها التيار الى الفلوجة بسبب الجوع والحصار، وإذا كانت الموصل ترتجف من التصريحات الرسمية باستعداد الميليشيات لفتحها، واذا كان سنة العراق هم المتضرر الأكبر من هيمنة السياسة الايرانية في العراق، السؤال هو كيف يمكن لسنة العراق انتهاز فرصة صعود السياسة السعودية في المنطقة.

فهذا الملك سلمان بن عبدالعزيز يوقع 36 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع مصر بقيمة 23 مليار دولار، تنضاف لاتفاق تزويد مصر بالبترول لخمس سنوات مقابل 23 مليارا. واذا كان الأزهر أيام الحكم الأخواني يستقبل الرئيس الايراني أحمدي نجاد، فانه في ظل الحكم المصري الحالي يستقبل العاهل السعودي، ويحظى بمكرمة ورعاية خاصة منه. وطارت الأخبار المفرحة عن جسر بري يربط السعودية بمصر مباشرة وإعادة إعمار بسيناء.

من القاهرة حلق العاهل السعودي الى تركيا ليؤلف "الميؤوس والمأمولا" في العلاقات الإقليمية، حيث قلده الرئيس التركي أردوغان أعلى وسام تمنحه بلاده للقادة وصرح قائلا "سياسة الملك سلمان صمام امان للاستقرار والأمن في المنطقة بفضل ادارته الحكيمة". هذا معناه أن العاهل السعودي قد نجح بتجاوز مشكلة الاخوان المسلمين المخربين الى مرحلة جديدة، ستجمع مصر وتركيا في المؤتمر الاسلامي القادم الذي سينعقد لأول مرة بتركيا لإعادة العلاقات الى سابق عهدها.

في نفس الوقت لاحظنا زيارة مهمة قام بها وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان بين الأردن والإمارات، وخرج بيان مشترك بعد زيارة الأمير الى عمان يتهم ايران صراحة بإشعال الفتن الطائفية وتنمية الارهاب.

هل كل هذه التحالفات الاقتصادية والعسكرية التي تقوم بها السعودية لأجل هدف صغير أم هناك فعلا نية دولية وإقليمية بقلب المعادلة الطائفية في المنطقة؟ وما هي حصة العراق من هذا الانقلاب؟ المشهد في العراق مأساوي وسنة العراق يتأملون دعما سريعا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ان خطورة داعش في العراق هو أنه مرض يصيب السني العراقي فقط، لا يوجد شيعي داعشي. لهذا يشعر سنة العراق بالامتنان للملك سلمان لوضعه الحشد الشيعي والميليشيات الاجرامية في قائمة الارهاب. هذا الإجراء خلق لنا نوعا من التوازن النفسي، والا فإن الإبادة الثقافية الطائفية قد اكتملت حلقاتها في العراق.

في الموصل رائحة داعش وأنفاسه، الحكة الجلدية التي يسببها داعش، لكأن الارهاب ينتقل بالجماع الجنسي كالإيدز، وبالطعام كالكوليرا. داعش ينتشر في البيوت كدود الفراش، ويسكن الممسوسين كالجن.

ان نظام العزل للمجذومين والمجانين الذي كان معمولا به في أوروبا بالقرون الوسطى سيبدأ تطبيقه على سنة العراق بعد تحرير الموصل. والبداية كانت بفرض نظام الكفيل على السنة في بغداد. الغاية هي قلب القيم في البلاد، وفرض تراتب اجتماعي جديد، يصبح فيه السنة هم المستذلين والمهانين.

بعض الصبيان الموصليين يعتقدون إن القضية فكرية، وإذا اعلنوا الإلحاد والعلمانية سيتخلص من جرب داعش ورائحته. العزل الطائفي لا يعمل بالفكر بل بالتمييز الثقافي، سيجعلونك تجر العربات بدلا من البغال، وفي الدرك الأسفل من المجتمع العراقي. هكذا سيكون حكم السلطة الشيعية بعد داعش.

المذهب السني سيكون دين العبيد في العراق، والمساجد ستفوح برائحة الهزيمة والنفاق والذل. الأمل الوحيد هو أن تشن السعودية حربا إقليمية وتقصف الحشد الشعبي الشيعي وداعش معا في محرقة واحدة. هكذا حرب تحتاج الى موافقات دولية أو تفاهم على الأقل، واعتقد هناك تفاهم. الحرب السنية الإقليمية ضد الطائفية وعملاء ايران تستطيع قلب المعادلة.

أما اذا لم يتدخل التحالف العربي وقام الحشد الشيعي بفتح الموصل بقيادة الجنرال سليماني، فسيجعلون من أهل الموصل عبيدا وسبايا حتى يُقال للفلاح الفقير من مدينة العمارة هذه فتاة من أشرف بيوتات الموصل للزواج! فلا يقبل بها ويرفض الاقتران بداعشية. سنكون في الدرك الأسفل من المجتمع العراقي.

لم يسامحوا السنة على صدام حسين والبعث، رغم أنهم كانوا شركاء في الحكم البعثي وقاموا بالاجتثاث والتهجير الديموغرافي وتشيع العاصمة بغداد، فكيف يسامحون أهل الموصل على شيء رهيب كداعش؟

البعض يتفاءل ويظن أنه بعد تحرير الموصل يخرجون في الربيع القادم بمهرجانات للرقص الإسباني في المدينة، وندوات ليبرالية ومسرح غنائي. ان تاريخ العراق يقول غير ذلك، فقد كان آخرها قمع الانتفاضة الشيعية عام 1991 وتقسيم العراق الى محافظات "بيضاء" و"سوداء".ان المدينة المهزومة في العهد البابلي يتم حرق معابدها وتحقير آلهتها، ثم يُمجد الإله الجديد المنتصر في الطرقات المهزومة، التي تكثر في بيوتها النائحات الذليلات، واليه تُقدّم العذارى.

عبثا يحاول السنة إرضاء الميليشيات الشيعية. بالعكس الشيعة عموما يحترمون الصدق، قلولوا لهم الحقيقة. فهم يعرفون بأنكم ابناء محافظة "بيضاء" لم تتمرد على صدام حسين، وخطبت مساجدها الكبيرة لوقف الزحف الشيعي، تلك المساجد التي ما زالت تُعاقَب وتنزف دما.

الشيعي يعرف بأنكم وخلال أربعة عقود من حكم صدام حسين لم تؤسسوا حزبا معارضا واحدا في الخارج، فلم يكن عندكم غير مشعان ووفيق السامرائي. ويعرف بأنك كنت ملثما باسم مستعار تمجد الدولة الاسلامية على التواصل الاجتماعي، نكاية بالحكم الشيعي الطائفي، لهذا لا يثق بحماستك المخلصة ضد الارهاب.

الشيعي يعرف بأنكم لم تخرجوا احتجاجا على داعش بالبسالة التي قاتلتم فيها الشيعة والأميركان، ليس عندكم تمرد بطولي عشائري واحد ضد داعش في الموصل. الشيعي يعرف بأن عقلك ووجدانك لقرن كامل كان مرتبطا بالدولة القومية العراقية وبسقوطها عام 2003 فقدت عقلك ووجدانك وبوصلتك.

السني العراقي لم يعد طرفا في الصراع والمدن السنية الكبيرة تتعرض للمحو والهدم، الحوار الإقليمي الكبير هو سعودي - ايراني والأمل كل الأمل أن التحرك السعودي الأخير سيقلب التقسيم الطائفي في العراق، ويعيد بغداد عاصمة عربية من جديد. فمتى تقصف عاصفة الحزم الميليشيات العراقية والحشد الشعبي؟