ماذا تعني استقالة وزراء التيار الصدري

ما أشيع من خبر تقديم وزراء التيار الصدري استقالتهم الى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يثير في نفوس الشارع العراقي جدلاً ونقاشاً مستعراً، استطيع ان ارصده في نقطتين.

الأولى: استقالة وزراء التيار الصدري ربما يقرأها الكثير من المتابعين للشأن السياسي العراقي بأنها ستقلب الطاولة على الحكومة وتجعلها في وضع لا يحسد عليه، ناهيك عن حالات الأرباك والأحراج التي ستعصف بالمشهد السياسي الداخلي وما سيترتب على ذلك من نتائج مربكة امنياً واقتصادياً وعسكرياً ربما تلقي بظلالها على مفردات الحياة اليومية وتجعلها اكثر تأزماً، لاسيما والعراق في حالة حرب مستمر ضد الأرهاب والدواعش. وربما سيثير موضوع استقالة وزراء التيار الصدري في نظر بقية الكتل السياسية المنظوية تحت خيمة التحالف الشيعي زوبعة من المتاعب مؤطرة بالمناكفات والمراشقات والاتهامات لحكومة مأزومة كتب على جبينها الفشل منذ لحظات ولادتها القيصرية الأولى، حكومة متشرذمة، مفلسة، معطلة، لم ولن تستطيع ان ترتدي معطفها الشتائي او تخلع قبعتها الصيفية إلا بموافقة ومباركة الإدارة الأميركية، والدول الإقليمية المهيمنة على صناعة القرار. وما زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري لبغداد مؤخرا إلا دليل وشاهد على استحالة جمع الأطراف السياسية من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي على مائدة الحوار المشترك. وهذا لعمري يسجل حالة محفوفة بالانهيار السياسي، ومعقل لتدخلات خارجية، دولية واقليمية، تقود دفة الوضع العراقي الى المجهول المرتقب.

الثانية: استقالة وزراء التيار الصدري يمكن أيضا قراءته على أنها رسالة ارادوا من خلالها ان يبينوا لسماحة السيد مقتدى الصدر بأنهم رهن اشارته وطوع أمره متى ما شاء، وربما من باب ذر الرماد في العيون، بأنهم يتبعون الخط الصدري - بمثالية ومنهجية - فيما يذهب اليه من تحولات براغماتية، وايضاً تعاطفاً مع صفوف المتظاهرين الذين يشكل انصار ومريدي التيار الصدري جزءا كبيراً منهم؟ وهذا بلا شك سيشكل نقطة ضغط مؤقتة على حكومة العبادي المأزومة حالما يجد السيد حيدر العبادي مخرجاً يسعفه مما فيه من أحراجات لأن طريق الأصلاحات الذي حمله كشعار في تسويق منتجه الاستهلاكي انتهت مدته، واحترقت ورقته، ولم يبقَ منه إلا رماد ودخان. مجرد شعار أراد به تخدير العراقيين، وتمويه المتظاهرين، وقتل احلامهم بعراق حر ديمقراطي تحكمه المؤسسات وليس المليشيات والمافيات والأحزاب السياسية المهيمنة على البلاد والعباد، والمتخمة بالفساد والسرقات.

وهنا أود ان أتوقف عند نقطة مهمة. كان يفترض من الكتلة الصدرية المتخندقة في البرلمان الأنسحاب قبل تقديم وزراءها استقالتهم كرجل واحد، وإعلانها مبدأ سياسة الكتلة المعارضة في حكومة العبادي الحالية، لتسجل رصيداً وطنياً يحسب لها أمام جماهيرها من أتباع ومريدي الخط الصدري، وأيضاً لتثبت تضامنها مع الشارع العراقي المحبط الذي يغلي منذ سنوات نتيجة سياسة الفساد والمحاصصة والسرقات العلنية والتدهور الخدمي وتفشي ظاهرة البطالة.

ما يؤسف له، أن وزراء التيار الصدري، اثبتوا بأنهم لا يمثلون الخط الصدري نهجاً وسلوكاً، بل يمثلون انفسهم ومصالحهم الشخصية. ولو افترضنا جدلا بأن سماحة السيد مقتدى الصدر لم يحذر حكومة العبادي مما وصلت اليه الأمور من تأزم وانهيار تجاوز حدود اللا معقول، ولم يشترك مع المتظاهرين، ولم يلجأ الى الأعتصام السلمي داخل أسوار المنطقة الخضراء الذي لم نر ثماره على أرض الواقع، ترى هل سيقدم وزراء التيار الصدري استقالتهم او حتى مجرد التلويح بالأستقالة؟

السؤال الذي نطرحه بحيادية ومهنية تامة: أين كان وزراء التيار الصدري مما يجري في العراق من فساد وسرقات وشبهات وانهيار في المنظومة السياسية والأجتماعية والأخلاقية وضياع لثروات العراق على مدى الثلاثة عشر عاما المنصرمة، هل كانوا خارج أسوار الوطن أم خارج مدارات الكرة الأرضية؟ الم يكونوا جزءا من المنظومة السياسية في الحكومات السابقة والحالية؟

ألم تثبت التقارير والوقائع بأن بعض (وليس الكل) من وزراء التيار الصدري كانوا جزءا من منظومة الفساد وجزءا من مافيات السرقات التي انتهجت سياسة تبادل الأدوار مع جميع الأحزاب السياسية بلا استثناء، وهذا ما جعل من سماحة السيد مقتدى الصدر الظهور على شاشات التلفزة والتبرأ منهم ومطالبة القضاء والنزاهة التصدي لهم بحزم؟

اذن جميع الكتل السياسية كانت في زورق واحد. ارتكبت أخطاء فادحة وشنيعة، أفسدت، سرقت، تمادت، عاثت في ارض العراق فساداً، ومما يؤسف اليه، ان جميع الكتل البرلمانية تمثل الحواجز الكونكريتية الصلبة التي تسند وزراءها وتدافع عن فسادهم. وهذا هو سبب انهيار المنظومة السياسية، وتفشي ظاهرة الفساد في بلاد ما زال الدواعش يبتلعون ثلث من أراضيه، والبقية الباقية يلفها خمار الفساد والسرقات وشبهات العقود النفطية.