الدوما العراقي ويلتسين العملية السياسية!

حين شاهدت، من خلال التلفزيون، صور البرلمانيين العراقيين ممن اعتصموا في مبنى مجلس النواب على خلفية الازمة المتصاعدة بشأن الاصلاحات، تداعت الى ذهني صورة البرلمان الروسي (الدوما) ومعركته الشهيرة في العام 1993 ضد الرئيس الروسي وقتذاك، بوريس يلتسين، والتي انتهت بقصف البرلمان وانهاء الانتفاضة البرلمانية في مشهد توقفت عنده انفاس العالم كله، بل انه كان في اهميته ودراماتيكيته موازيا لمشهد انهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991.

بدأت القصة بخلاف رئيس البرلمان ومعه عدد كبير من النواب الروس مع الرئيس يلتسين، وبعد ان تفاقمت الامور اتخذ البرلمان الذي يرأسه حينذاك، رسلان حسبلاتوف (شيشاني) قرارا بعزل الرئيس وتعيين رئيس مؤقت هو روتسكوي. لكن المشكلة التي واجهت الدوما، انه مقيّد الصلاحيات دستوريا، ولا يمتلك تفويضا كافيا لما قام به، الأمر الذي مهد الطريق امام الرئيس يلتسين والموالين له من الجيش وقوات الامن للانقضاض على البرلمان بعد قصفه بالدبابات واخراج البرلمانيين المعتصمين و(الرئيس المنتخب المؤقت)، فيما كانت ألسنة اللهب تتصاعد من المبنى الشهير وسط موسكو، لتنتهي تلك الحركة الثورية بطريقة تراجيدية مازالت قصصها واسرارها تروى فصولا.

مجلس النواب العراقي يعيش لحظة تاريخية فارقة ربما ستكون من اكثر اللحظات التاريخية رسوخا في ذاكرة الاجيال المقبلة، اذا ما اخذت الامور مسارا يحاكي المسار الروسي، أي اصر النواب المعتصمون بعد ان يحافظوا على الاغلبية ويتخذوا قرارات مصيرية، لانهاء المحاصصة واصلاح واقع العملية السياسية من الداخل وبجراحة سياسية دقيقة، لن تكون ناجحة الا بهذه الوسيلة، لانها تمتلك ممكنات النجاح وصولا الى اهدافها النهائية. فمجلس النواب هو السلطة التشريعية العليا التي تمتلك وفقا للدستور العراقي حق اقالة السلطة التنفيذية مثلما تمتلك حق تعيينها ابتداء، ولا توجد موانع تقف بوجه أي قرار يتخذه المجلس داخل صلاحيته التي اقرها له الدستور. والاهم من هذا ان هناك تأييدا شعبيا واسعا ودعما من المرجعية الدينية العليا للمضي بخطوات الاصلاح بعيدا عن المصطلحات المواربة والتي تخفي وراءها التقاسم والتغانم والتحاصص في السلطة الذي اوصل العراق الى المأزق الذي يعيشه اليوم، ودمر الدولة وشتت وحدة الشعب وأذهب قوة الدولة، بعد ان غدت المناصب هدفا بحد ذاته وليست وسيلة للخدمة.

لاشك ان الشعب سيقف وراء اي خطوة تدعم عملية الاصلاح الحقيقي وليس الترقيعي الذي يحاول البعض ان يتستر وراءه ليبقي على امتيازاته وحظوظه في الغنيمة، وان مجلس النواب بات اليوم هو الميدان الحقيقي للمعركة السياسية بعد ان كانت تدور في كواليس العواصم الاقليمية والدولية وتجد صداها بين زعماء الكتل ممن همشوا دور البرلمانيين وحولوهم الى مجرد بيادق في لعبة شطرنج اتفقوا على نتيجتها مسبقا.

هل سيكون اللاعبون التقليديون في الميدان العراقي من دول الاقليم وبعض العواصم الاخرى بعيدين عن هذا الحراك الخطير اذا ما اخذ مداه واحرج الجميع؟ اعتقد ان من السذاجة تصور هذا، لكن من غير المعقول ان يتخلى صاحب السلاح عن سلاحه في ساحة المعركة لمجرد وجود من يتحداه او يحاول كسر ارادته. ونعتقد ان عراق اليوم يعيش معركة مصيرية على مختلف المستويات ابرزها معركة ان يبقى دولة او يتلاشى، وهو ما بات يعلن عنه اكثر من طرف وبدون مواربة، وان مصير العراق اذا ما بقي بيد الاخرين في الخارج او الذين يتنافذون ويتفاعلون معهم في الداخل من اجل مصالح جهوية او شخصية، فان أي عملية اصلاح تعني ضحكا على الذقون.

مصير العراق يجب ان يقرره، اولا واخيرا، ابناؤه، وان هذه اللحظة - نقصد لحظة تحقق كتلة نيابية تمتلك الاغلبية - لن تتكرر وأنها يجب ان تهدف الى اعادة رسم مسار العملية السياسية واستعادة الدولة الغائبة او المغيبة منذ ثلاثة عشر عاما، وانها تستحق بالتأكيد ان تكون معركة كبيرة، اذا خلصت نوايا القائمين بها، لانها ستكون للتاريخ، مثلما هي للحاضر بالتأكيد!