بغداد بلا تمر

يتخيل شاعر شعبي ابن مدينة وليس نتاج ريف، أن بغداد قد بنيت من أرطال تَمر مطالبا مستمعيه بأكل مدينتهم باعتبارها كيانا قائما من هذه الثمرة المحلاة بعصيرها “بغداد مبنية بتمر فلّس وأٌكلْ خستاوي” التفليس هنا فصل الثمرة عن النواة والخستاوي أحلى أنواع التمر العراقي، إن بقي تمر في العراق اليوم!

لا يولد الشاعر الشعبي في العراق إلا ابن ريف حزين أو ملتاع على هامش المدينة، متمرد وخنوع، لا يعرف ماذا يريد غير أن يتمتع بحزنه وسخريته في آن، إلا ملا عبود الكرخي هذا شاعر شعبي أنتجته المدينة، لذلك لم ينجح غير الفنان يوسف العاني في تجسيد شخصيته على المسرح، فمخارج الحروف في قصائده لا يجيدها غير المتمدن.

بقيت بغداد مدينة تَمر ولم تغب إلا حين اجتاحها الرعاع والمتريّفون، لذلك تخّيل ذلك الشاعر أن جدرانها من تمر يؤكل، مثل ذلك التّخيل الباهر عندما كان التمر ماركة بمواصفات عراقية صرفة، لكن أين تمر البلاد اليوم؟

بالأمس كانت الشاشات تنقل حشد المحتجين أشبه بقطيع يجتاح المنطقة الخضراء، وكنت أتأمل مشهد مكان لم أره منذ ربع قرن، محاولا تفقد ملامحه علني أظفر بنخلة بقيت من زمن عراقي آفل، وياللخيبة! كان مشهد المكان بملامح الرثاثة السياسية التي تلف البلاد.

النخلة عراقية جدا، لكنها لم تعد كذلك، وامتلكت ملامح أخرى، فلا تمر عراقيا في أسواق العالم اليوم، ستجد التمر في المتاجر الأوروبية سعوديا وإيرانيا وإسرائيليا وتونسيا وجزائريا، والكلام القديم عن التمر العراقي صار فلكلوريا.

كان تمر البصرة أندر هدية تٌقدم عند البريطانيين ومن بين النصائح التي يتداولها الإنكليز للتخلص من الكوابيس والأحلام المزعجة تناول حبة تمر قبل النوم، فسكرها يتحلل ويصل إلى الدماغ مانحا إياه فرصة لالتقاط حلم سعيد!

في عقد الثمانينات من القرن الماضي كان معرض التمور العراقية الذي يقام سنويا يحتوي على أكثر من 500 نوع تبهر أهل البلاد والزائرين، وليس البائع وحده من يعد ويعرف تلك الأنواع، العراقيون يتداولون أسماءها كأنها مفردات في أغانيهم.

في دول المغرب العربي تطلق على أفضل أنواع التمور تسمية “دقلة” وهي كما يبدو مشتقة من دجلة، فلا تمر أحلى إلا من نخلة على ضفاف ذلك النهر.

وكان من مواصفات الجار الذي يملك نخلة في حديقة منزله أن يوزع تمرها على الجيران، التمر ثمرة المروءة واحتفاء الفقير بضيوفه، وصارت ثمرة محتـفى بهـا ومعـلاة على مـوائد الأغنياء.

لكن النخلة ما عادت من تلك البلاد إلا في الكلام والغناء.