تشارلي شابلن يعيد إعمار سوريا!

في واحد من افلامه الرائعة، يعالج الفنان العالمي تشارلي شابلن ازمة الانسان المزدوجة في ظل الرأسمالية، ويطرح التداعيات الاخلاقية التي تفرزها البطالة، حين يحاصر الانسان الجوع والخوف من المستقبل، لاسيما العامل البسيط الذي لا يجد عملا يعود عليه وعلى عائلته بما يقيم اودهم.

يظهر شابلن في الفيلم عاملا متجولا يصلح الشبابيك والابواب المتضررة، حاملا عدته على ظهره، ويدور في الازقة بحثا عن عمل، لكنه لم يجد ما يصلحه، فيلجأ الى حيلة يتداخل فيها الاخلاقي بالقانوني وبطريقة لا يفك الاشتباك فيها سوى الفن، حين يكون رفيعا ومعبرا بذكاء عن الفكرة، اذ يدفع بالطفل الذي يساعده الى التجول بين البيوت قبله، ورمي الشبابيك بالحجر ليكسر الزجاج ويهرب! ليأتي العامل المتجول (شابلن) فيجد فرصة العمل وقد هيأتها لها أحجار الصبي.

هذا المشهد الفني البريء والمعبر، الذي يعكس قلة حيلة الانسان البسيط، والتي تقوده الى ممارسة الانحراف في كسب الرزق، يتكرر في الواقع باستمرار، لكن بشكل مشوه ومروع ايضا، حين تستولده دهاليز السياسة. فأثناء حرب العام 1991 كنت استمع الى لقاء اذاعي مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقد ذكر لمحدثه في سياق كلامه، ان رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر، التقى امير الكويت، اثناء الحرب او القصف الجوي، وعرض عليه اصلاح محطة الكهرباء او منشأة كويتية مهمة اخرى، لا اتذكرها بالضبط، فقال له امير الكويت، ولماذا اصلاحها؟ انها سليمة. فرد عليه المسؤول البريطاني، سنضربها، وضربوها!

وفي السياق ذاته، استمعت الى لقاء بثته اذاعة بي بي سي مع احد المسؤولين الاوروبيين، وقد ذكر المذيع عبارة لافتة، اذ قال وهو يتحدث الى محاوره، ان اميركا تدمر بيد وتعمّر باليد الاخرى. وكان كلامه لا يخلو من تبرّم (مخفّف) تتيحه حرية التعبير في الاعلام الغربي، ولو اثناء الحرب.

قبل ايام عقد مؤتمر في لندن خصص لاعمار سوريا، وقد حضره ممثلو دول ومانحون، وبالتأكيد ممثلو شركات، تتهيأ لدخول سوريا لاعمار ما دمرته الحرب! وهذه الشركات التي تبحث عن فرص عمل، لا سيما في ظل الازمة المالية الحالية، لم تجد افضل من الدول المدمرة مكانا للعمل، وكلما كان الدمار اكبر وأوسع، كانت فرص العمل اكثر وافضل، لكن يبقى الاهم من كل هذا، هو هل تستطيع دولة مثل سوريا باقتصادها المتواضع اعادة اعمار كل هذا الخراب الذي سببته الحرب ومنذ خمس سنوات؟

من دون ادنى شك ان شركات صناعة السلاح في اميركا واوروبا، انتعشت في السنين الاخيرة، بسبب الحروب في الشرق الاوسط، وهذه الحروب وقف وراءها مشعلو حرائق كبار، مهمتهم الاساس تصريف هذا السلاح الذي بات من الخردة في مخازنهم، وكان لا بد من التخلص منه بطريقة نافعة، فلم يجدوا افضل من اشعال تلك الحروب ليصرفوا بها مخزونهم الكاسد هذا على رؤوسنا. وليس هناك افضل من خرابنا الشامل يوفر فرص عمل لشركاتهم ايضا، وبذلك فان فائدتهم باتت مزدوجة، فأموالنا تذهب لسلاح نشتريه منهم لندمر به مدننا التي يصلحونها من خلال شركاتهم.

ان الهدف من الحرب في سوريا ليس بالضرورة اسقاط النظام هناك، بل تدمير البلاد وجيشها، وان كل ما يأتي من نتائج اخرى يبقى بمثابة فائض فائدة، بالنسبة للكبار الذين يعبثون بمصائر الشعوب حسب هواهم، ما دام ذلك ينفعهم على مختلف المستويات، فهم يوفرون لسلاحهم اسواقا واسعة ولشركاتهم فرص عمل، ومن ثم يستدعون دولا (مانحة) من اجل اعادة اعمار ما دمره سلاحهم! وبذلك فهم يحققون كل اهدافهم من دون ان يقدموا خسائر تذكر.

يا لهول مأساتنا التي صارت تتسع مع الايام والسنين.