البحرين تكشف العراق

جديد الحملة التي تشنّها ايران وتوابعها على البحرين ليس جديدا. كان الجديد قديما الى حدّ ما وحمل معه بعض الفوائد. جاء هذا الجديد ـ القديم ليؤكد ما بدا جديدا وحاول بعضهم التغطية عليه بطريقة او بأخرى عن طريق الإيحاء بانّ القرار العراقي ليس قرارا إيرانيا.

بعد الموقف الأخير لآية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق، لم يعد من مجال للشك في ان النظام في العراق جزء لا يتجزّأ من النظام الايراني، كما ان لا مجال لرهان على أي مرجعية او مسؤول في العراق من اجل استعادة البلد بعض استقلاله.

جاء نزع الجنسية عن رجل الدين البحريني الشيخ عيسى قاسم ليؤكد مدى تورط النظام في العراق في التبعية لإيران. كانت هناك ممارسات عراقية تصبّ في هذا الاتجاه. في الماضي القريب وفي مناسبات مختلفة، عبّر المسؤولون العراقيون على رأسهم رئيس الوزراء حيدر العبادي وقبله سلفه نوري المالكي، فضلا عن وزير الخارجية الحالي إبراهيم الجعفري، عن مدى انصياعهم لإيران، لكنّ كلام كلّ هؤلاء شيء، فيما السيستاني شيء آخر. كان هناك من يعتقد ان السيستاني، على الرغم من اصوله الايرانية، سيراعي مصالح العراق ويدافع عن هذه المصالح لسببين. الاوّل انّه مقيم في النجف منذ فترة طويلة ويدرك اهمّية هذه المدينة من كلّ النواحي. والآخر انّه ليس من أولئك الذين يؤمنون بنظرية " ولاية الفقيه" التي عليه تحفظات عنها. هذا على الاقلّ ما بدر من تصرّفات معيّنة للمرجع العراقي، الى ان اتصل أخيرا بعيسى قاسم متضامنا معه في وجه السلطات البحرينية. هذا على الاقلّ ما يوزّعه مقربون من عيسى قاسم. يقول هؤلاء ان السيستاني اتصل برجل الدين الشيعي، الذي نزعت منه الجنسية، وابلغه ان سحب الحكومة البحرينية لجنسيته "لا يضرّ به" وانّه "بعد الاطمئنان الى صحّته، اعرب السيستاني عن مودّته الخاصة "ومكانة قاسم في قلبه". الكلام كلام عام، لكن يبقى هل تمّ الاتصال ام لا؟

يمكن بالطبع مناقشة مسألة سحب الجنسية من مواطن، أي مواطن ما في ايّ بلد كان، وما اذا كان قرار السلطات البحرينية، التي تعاني من تجاذبات داخلية وافتقار الى القدرة على التعاطي مع الاعلام العربي والعالمي، صائبا ام لا. هذا امر متروك للبحرينيين انفسهم الذين يقدّرون ظروف بلدهم ووضعه الأمني وما تشكله ايران من خطر على المملكة الصغيرة، إضافة بالطبع الى الدور الذي قد يكون لعبه عيسى قاسم في اثارة القلاقل والحزازات المذهبية. ليس في استطاعة ايّ شخص يمتلك حدّا ادنى من الموضوعية تفادي التطرق الى القرار البحريني ومدى صوابيته وتطابقه مع القوانين المعمول بها في البلد نفسه وشرعة حقوق الانسان المعترف بها عالميا.

تظلّ الاعتبارات المتعلقة بالبحرين ومشاكلها الداخلية شيء والحملة التي تشنّها ايران على المملكة مباشرة وعبر ادواتها شيء آخر.

كان مفهوما الكلام الصادر عن قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الايراني" بما تضمّنه من تهديدات للبحرين. فسليماني اخذ على عاتقه قتال اهل السنّة في العراق، وهو يشرف على عمليات التطهير ذات الطابع المذهبي في الفلّوجة وغير الفلّوجة. يُقال انّ القائد العسكري الايراني انتقل أخيرا الى محيط حلب بعد سلسلة الهزائم التي لحقت بالميليشيات التابعة لإيران، على رأسها "حزب الله" اللبناني، جنوب المدينة. هناك مصلحة إيرانية في التوسّع من منطلق مذهبي قبل ايّ شيء آخر. لذلك، يبدو رد فعل سليماني طبيعيا، بل اكثر من طبيعي، متى اخذنا في الاعتبار المهمّات التي يتولاها الرجل وطبيعة العلاقات التي يقيمها مع الجانب الاميركي.

كذلك، يبدو مفهوما ردّ "حزب الله" في لبنان وحملته على البحرين وعلى المملكة العربية السعودية. مهمّة "حزب الله"، هذه الايّام، كما في الماضي اثبات ان لبنان جرم يدور في الفلك الايراني وانّه على استعداد لكلّ المغامرات إرضاء لما يصدر عن "الوليّ الفقيه" في طهران، حتّى لو كان ذلك يلحق كلّ أنواع الضرر بلبنان واللبنانيين. لبنان واللبنانيون آخر همّ لدى "حزب الله"، كما انّهم مجرّد ورقة تستخدمها طهران اللعبة التي تمارسها في المنطقة.

ما ليس مفهوما ان يذهب المسؤولون العراقيون بعيدا الى هذا الحدّ في اظهار تبعيتهم لإيران من جهة ونفسهم المذهبي الذي يتحكّم بتصرفاتهم من جهة أخرى. كلّ ما يمكن قوله ان موقف السيستاني الذي لم ينف حصول المكالمة الهاتفية مع عيسى قاسم نزع ورقة التين عن النظام في العراق. لم يعد هذا النظام الذي يدّعي مقاتلة "داعش"، علما انّه عمل كلّ شيء من اجل إيجاد حاضنة للارهاب ذي الطابع السنّي، سوى ذراع من الاذرعة الايرانية. كيف يمكن لبلد كبير مثل العراق ان يتحوّل ما يشبه لواء في "الحرس الثوري" الايراني مثله مثل "حزب الله" في لبنان؟

ليس التدخل في شؤون البحرين، عن طريق السيستاني، خرقا لما بقي من علاقات بين العراق والبلدان العربية، خصوصا دول الخليج. ما حصل يزيل أي وهم لا يزال قائما في شأن اصلاح الوضع العراقي عبر إعادة احياء ما بقي من مؤسسات الدولة. الجيش العراقي انتهى يوم اتخذ المفوض السامي الاميركي بول بريمر قرارا بحلّه. حلت الميليشيات المذهبية التابعة للأحزاب العراقية مكان هذا الجيش. هذا الميليشيات كانت تحارب الى جانب ايران في حرب السنوات الثماني بين 1980و1988. صار اسم الجيش العراقي "الحشد الشعبي" الذي ليس سوى مظلة للمشروع المذهبي الايراني في العراق.

المفارقة انّ هذا المشروع المذهبي الايراني في العراق الممتد في اتجاه سوريا ولبنان ينفّذ برعاية أميركية. لا اعتراض اميركيا من ايّ نوع على ما تقوم به ايران في العراق. كلّ ما هناك مباركة من باراك أوباما والمحيطين به لهذا المشروع الذي يصبّ في حروب مذهبية لا نهاية لها.

يُفترض، انطلاقا من ردود الفعل الايرانية والعراقية واللبنانية (حزب الله تحديدا) على نزع الجنسية من رجل الدين البحريني استخلاص بعض العبر. ما يمكن استخلاصه اوّلا ان الرهان على أي تغيير في العراق قضيّة خاسرة. العراق صار محميّة إيرانية لا اكثر. هل يستفيق الشيعة العرب في العراق يوما؟ هذا هو السؤال الكبير. هل يحصل شيء ما في ايران فتعود دولة طبيعية من دول المنطقة؟ هذا هو السؤال الأكبر.

الى الآن لم يظهر حسن روحاني رئيس الجمهورية السابع لإيران انّه يختلف في شيء عن "المرشد" آية الله علي خامنئي. اما في العراق، فلم يظهر حيدر العبادي انّه مختلف في شيء عن نوري المالكي، كما لم يظهر السيستاني انّه من مدرسة أخرى غير مدرسة العبادي والمالكي، بل هو مجرّد غطاء لهما وللمدرسة التي ينتميان اليها.