اردوغان والانقلاب... وخلفيته الاخوانية

تغيّرت تركيا في العمق. الدليل على ذلك، ان ما شهدته من افشال للانقلاب العسكري المرتجل لم يكن انتصارا لرجب طيب اردوغان، رئيس الجمهورية وحزبه الذي ينتمي الى مدرسة الاخوان المسلمين، بكلّ تخلّفها، بمقدار ما انّه انتصار للشعب التركي بكلّ فئاته وتوجهاته. هل في استطاعة الرئيس التركي استيعاب هذه المعادلة؟

تصدّى الشعب التركي للانقلاب العسكري، الذي كان اقرب الى تمرّد من انقلاب نظرا الى انّه لم يحظ بتأييد اكثرية كبار الضباط الذين يستطيعون التحكّم بالجيش، كل الجيش، عبر التراتبية العسكرية. هناك جيوب في الجيش التركي تمّردت في ما بدا انّه ردّ فعل يائس على الخطوات المتلاحقة التي قام بها اردوغان من اجل تحييد الجيش وابعاده عن السياسة تمهيدا للسيطرة عليه في يوم من الايّام. ليس سرّا ان الجيش التركي مؤسسة كبيرة جدا نظرا الى ان عديده نحو ستمئة الف عنصر بين جندي وضابط إضافة الى انّه جيش محترف يمتلك أسلحة متطورة لعب طوال ما يزيد على أربعة عقود دور رأس الحربة لحلف شمال الأطلسي ابان الحرب الباردة. كان طوال الحرب الباردة مستنفرا على الحدود مع الاتحاد السوفياتي، فاذا بباراك أوباما يكافئ هذا الجيش، بعد اسقاطه لطائرة "سوخوي" روسية فوق منطقة حدودية تركية ـ سورية، بانحيازه الى الموقف الروسي والى نظريات فلاديمير بوتين. حصل ذلك بسبب السياسات غير المدروسة للرئيس التركي الذي قال كلاما كبيرا كلاما في شأن سوريا وثورة شعبها، لم يستطع يوما ترجمته على ارض الواقع!

كان الانقلاب مجرّد تمرّد لمجموعة من الضباط استبقت اجتماعا مقرّرا للمجلس العسكري الأعلى. كان مفترضا ان يحيل المجلس العسكري الاعلى على التقاعد مجموعة من نحو ثلاثمئة من كبار العسكريين وذلك بعد اسبوعين. كانت لدى الرئيس التركي شكوك في ولاء هؤلاء العسكريين او بانهم محسوبون على الداعية الإسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة والذي يعتبره اردوغان عدوه الأساسي هذه الايّام.

أراد الشعب التركي توجيه رسالة الى كلّ من يهمّه الامر فحواها ان زمن الانقلابات العسكرية ولّى الى غير رجعة وذلك بغض النظر عن اردوغان واخطائه. ما يمكن قوله بعد الانقلاب الفاشل الذي نفّذته مجموعة من الضباط، التي ليس معروفا هل يختبئ خلفها ضابط كبير او اكثر، ان صفحة طويت من التاريخ التركي. هذا عائد الى انه لم يعد يوجد في البلد مجموعة عسكرية متماسكة في شكل مجلس عسكري مستقل كلّيا عن القرار السياسي يمثل القوّة الفعلية في البلد من دون ان يعني ذلك انّ المؤسسة العسكرية ليست موجودة وليس لها ثقلها.

باتت هناك حياة سياسية طبيعية، الى حدّ ما في تركيا، علما انّها تواجه تحديات كبيرة في مقدّمها المواجهة مع الإرهاب بكلّ اشكاله، خصوصا ان اردوغان لم يتخذ موقف واضحا منذ البداية من التطرف الديني ومن جماعات مثل "داعش" وغير "داعش". كان آخر تعبير عن تلك المواجهة ما حصل قبل أسابيع قليلة في مطار إسطنبول الذي تعرّض لعمل إرهابي كبير يعكس من دون شك حال الارباك التي كانت تعاني منها حكومة اردوغان منذ اشهر عدة.

يبقى التمرّد بمثابة انذار من المؤسسة العسكرية التي ستبقى من دون شك، مهما تعرّضت لعمليات تطهير، حامية للأسس التي تقوم عليها تركيا الحديثة التي أسسها اتاتورك. صحيح ان اردوغان ما زالت تُلتقط له صور في خلفيتها صورة كبيرة لاتاتورك، لكنّ الصحيح أيضا انّ هدفه في المدى البعيد إزالة أي اثر للاتاتوركية التي هي مرادف للعلمانية ولتركيا الحديثة وابواب التطوّر المفتوحة امامها.

جاء الانقلاب الفاشل اثر سلسلة من المواقف الغريبة التي اخذها اردوغان بدءا بالتخلي عن رئيس الوزراء احمد داود اوغلو الذي كان ابرز القياديين في حزبه الحاكم وذلك بعد وضعه على الرف شخصية أخرى نافذة في الحزب هي رئيس الجمهورية السابق عبدالله غول.

فوق ذلك كلّه، أعاد اردوغان العلاقات مع إسرائيل بعد فترة طويلة من التوتر تسببت بها رغبته في المزايدة فلسطينيا في موضوع حصار غزّة، كما مدّ الجسور مجددا مع روسيا ومع فلاديمير بوتين بالذات. حصل كلّ ذلك، فيما صدرت تصريحات اتسمت بالغموض في شأن الوضع السوري عن رئيس الوزراء الجديد بن علي يلدريم. لم توضح هذه التصريحات هل سيطرأ تغيير على مواقف تركيا من النظام السوري في ظل ما يقال عن وساطة إيرانية وأخرى جزائرية بين تركيا وبشّار الأسد. بدا ان اردوغان، الذي طرح في الوقت ذاته تجنيس سوريين في تركيا، ليس شخصا يمكن الاعتماد عليه في أي مجال من المجالات وانّه يمتلك اكثر ما يمتلك شبق الاخوان المسلمين الى السلطة ولا شيء آخر غير السلطة.

تطرح المحاولة الانقلابية في تركيا سلسلة من الاسئلة. في مقدّم هذه الأسئلة هل سيتصرف اردوغان من منطلق انّه ليس صاحب الانتصار على تمرّد العسكريين وان عليه ان يكون حذرا في تعاطيه مع القوى السياسية الأخرى في البلد ومع المؤسسة العسكرية... ام سينطلق في عملية تطهير واسعة تجعله في عداء كامل مع هذه المؤسسة التي لن تكون يوما خاضعة لحزب معيّن، بل ستظل محافظة على نوع من الخصوصية في بلد مثل تركيا، وذلك بسبب الانتماء الى المؤسسة الاتاتوركية؟

الثابت ان اردوغان سيحافظ على موقفه المتحفظ حيال الإدارة الاميركية الداعمة للاكراد، الذين يبقون هاجسا من هواجسه، خصوصا في ظل وجود فتح الله غولن في الولايات المتحدة من جهة ورد الفعل الاوّلي لكلّ من الرئيس أوباما ووزير الخارجية جون كيري على المحاولة الانقلابية من جهة اخرى. ظهر واضحا ان أوباما وكيري تفاديا التنديد الفوري بالانقلاب. فضلا التريث. وهذا يعكس عدم ارتياحهما لاردوغان الذي يبدو ان انفتاحه على إسرائيل وروسيا مرتبط الى حد كبير بالموقف الأميركي منه.

ليست تركيا وحدها التي دخلت مرحلة جديدة. اردوغان نفسه في مثل هذه المرحلة التي تفرض عليه إعادة النظر في كثير من مواقفه، بما في ذلك موقفه المتذبذب من ثورة الشعب السوري في وقت تبدو روسيا وايران على استعداد للذهاب بعيدا في معركة حلب المدينة السورية الأقرب الى تركيا من أي مدينة أخرى.

من هذا المنطلق، يبدو ان التريث هو افضل ما يمكن ان يلجأ اليه الرئيس التركي. والتريث يعني اوّل ما يعني استيعاب ان الشعب التركي الذي وقف في وجه الانقلابيين لم يفعل ذلك دفاعا عنه، بل من اجل تأكيد ان لا عودة الى الماضي، أي الى ايّام الانقلابات العسكرية. يستطيع اردوغان التريّث، كما يستطيع الذهاب بعيدا في اندفاعته نحو استحواذ السلطة كديكتاتور من ديكتاتوريي العالم الثالث او الرابع او الخامس، لا فارق. ما الذي سيفعله؟ تصعب الاجابة عن هذا السؤال، لكنّ الأكيد ان ماضيه وخلفيته الاخوانية لا يشجعان على الكثير من التفاؤل.